الجلسة الثالثة عشرة
[13]
- قوله تعالى: ﴿…إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ…﴾[1]، حيث رفع اسم (إن).
الجواب: القراءة المُتّبعة اي قراءة حفص وجمهور المسلمين ذات الإسناد إلى أمير المؤمنين عليه السلام هي بتخفيف (إنْ) بدلاً عن المثقّلة (إنَّ) بدليل وجود اللام في الخبر (لساحران)، وفي هذه الحالة لا تعمل (إنْ) عمل (إنَّ) فيبقى المبتدأ (هذان) مرفوعاً، وكان أبو عمرو بن العلاء ـ وهو أعلم أهل زمانه بالقرآن والعربيّة وآدابها ـ يقول: إنّي لأَستحيي أنْ أقرأ بالتشديد ورفع الاسم، فالخطأ موجّه إلى تلك القراءة المرفوضة (إنَّ المشدّدة) لا الى القرآن.
- قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ…﴾[2]، نصب (المقيمين) وطرفاه مرفوعان.
ونظيره قوله تعالى: ﴿…وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ…﴾[3]، حيث نصب (الصابرين) مع أنه معطوفٌ على (الموفون) وهو مرفوع.
الجواب:
(1) تغيير الإعراب من النصب الى الرفع او العكس يسمى القطع، ويأتي لأجل المَدح والاختصاص، وهو شائع في اللغة، قال سيبويه في باب ما يُنتصب في التعظيم والمدح: وسمعنا بعض العرب يقول: (الحمد لله ربَّ العالمين) ـ بنصب الربّ ـ فسألت عنها يونس فزعم أنّها عربيّة، قال: ومنها (والمقيمين) و(الصابرين) فقُطع إلى النصب مدحاً[4].
(2) قال أبو عبيد: يجوز القطع إلى النصب وإلى الرفع تطريةً للكلام وإخراجه عن نسقٍ واحد، تقول الخِرِنْق بنت هفّان:
لا يَبعَدن قومي الذين هُمُ * سُـمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
الـنازلينَ بـكلِّ مُعتَركٍ * والطيّبون معـاقِدَ الأُزرِ
فالكلمات (سمُّ) و(آفةُ) و(النازلين) و(الطيبون) معطوفةٌ على بعضها ومرفوعةٌ الا (النازلين) المنصوب[5].
- قوله تعالى: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً…﴾[6]، أي عشرة أيام، فلماذا قال (عشراً) مع أن اليوم مذكر.
الجواب: ليس التقدير (عشرة أيام) إنّما التقدير في مِثل ذلك عند العرب (عشر ليال) والليال جمع ليلة فهي مؤنث، كما في قولهم: (لخمس بقين أو خَلون من رجب)، والتقدير في حساب الأيّام عند العرب بالليل دون النهار، ولذا يبدأ كلّ شهر بليلة أَوّله، فالنهار تابعٌ.
- قوله تعالى: ﴿…فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ…﴾[7]، الفعل المضارع (فأَصَّدَقَ) منصوب، وقد أضيف إليه (وأَكنْ) مجزوماً.
الجواب: (وأَكنْ) معطوفٌ على موضع (فأصّدّق) لو لم تكن فيه الفاء، وموضعه الجزم جواباً لـ (لولا)، وهو من العطف على التوهّم وهو شائع في اللغة، كما في قول الشاعر:
فـأَبلوني بـليّتكم لعلّي * أصالِحُكم وأستدرجْ نَوَيّاً
فجزم (أستدرج) معطوفاً على موضع (أصالحُكم) بتوهّم أنّه لم يكن قبلها (لعلّي)، وكأنّه قال: فأبلوني بليّتكم أصالِحْكم واستدرجْ[8].
- قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾[9].
أَوّلاً لماذا أنّث العدد مع أنّ التمييز مُذكّر، وثانياً لماذا جمع التمييز، والصحيح إفراده هنا.
الجواب: الكلام هنا يتمّ بالعدد من غير ما حاجةٍ إلى ذِكر التمييز، كما في نظائره من قولك: قطّعتُ اللحم أربعاً، أي أربع قطع، وجئناك خمسةً، أي خمسة أشخاص، (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)[10] أي بعشر ليالٍ، (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ)[11] أي عشر حجج، (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)[12] أي خازناً.
كلّ ذلك لمعلوميّة المعدود من غير حاجة إلى ذِكره، وكذا هنا، إذ قولك: فرّقتهم اثنتي عشرة، تعني: اثنتي عشرة فِرقةٍ، وحذف ما يُعلم جائز، بل ذِكره إمّا تأكيدٌ أو حشوٌ زائد.
قال المفسّرون: (أسباطاً) بدلٌ من (اثنتي عشرة)، تقديره: وفرّقناهم فِرَقاً أسباطاً وجعلناهم أُمَماً متفرّقة لا مُجتمعة.
- قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾[13].
اولاً لماذا قال (نُقَدِّسُ لَكَ)، حيث زاد اللام من غير حاجة إليها، ولعلّ الصواب (نقدّسك) لأنّ الفعل متعدٍّ بنفسه، ثانياً يمكن أن يُقدَّر المفعول به شيئاً من الأشياء، ولكن ذلك يزيد في إبهام الكلام.
الجواب: اولاً قال أرباب اللغة: يقال: (قَدّس الرّجلُ اللّهَ)، أي نَزّهه ووَصَفه بكونه قُدُّوساً مـُتنزّهاً عن العُيوب والنقائص، ويقال: (قَدَّس للّه)، أي طهّر نفسه له، وذلك بأنْ مهّدها لإمكانِ الاستفاضةِ من أنوار الملكوت.
كانت الملائكة ترى من بني آدم ذواتاً منكدِرة لا تصلح للاستجلاء بجلاءٍ يَليق بمقام القُدس الأعلى، فعرضت نفسها، لكنّه تعالى أعلم بالمصالح فيما يُقدّر ويُدبّر، (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ).
ثانياً على فرض التقدير في الكلام فإنّه لا إبهام فيه، قال الراغب: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نُطهّر الأشياء لك[14]، أي بدلاً من بني آدم المُفسدين في الأرض نقوم نحن بتطهير الأشياء وتصقيلها إلى حيث الصفاء والجَلاء التامّ، الأمر الذي يتحقّق منه الامتثال التامّ لما أراده تعالى من الطهارة والنزاهة في خليقته جمعاء.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[15].
يبدو أنه كان ينبغي أنْ يقول: (ثُمّ قال له كنْ فكان).
الجواب: قال الشيخ مُحمّد عَبده: يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع (كن فيكون). والمعنى: ثُمَّ قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجّه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالاً، قال: ويظهر هذا في مِثل قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ)[16].
فمعنى قوله (كن فيكون): أنْ لا فاصل زمنيّاً بين إرادته تعالى وتكوين الشيء، (وَمَا أَمْرُنَا إِلاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)[17]، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[18].
قال الحجّة البلاغي: (فيكون) فعل مضارع دالّ على الثبوت، لبيان الملازمة الدائمة بين قوله (كن) وبين تكوّن الشيء بهذا الأمر لا محالة، وبهذه القُدرة التامّة والمـُلازمة الدائمة خُلق عيسى من غير فَحل، إذ قال له: (كن). وهذا بخلاف ما لو قال: (كن فكان) لأنّ هذا الأُسلوب (الثاني) لا يُفيد إلاّ أنّ آدم كان، سواءٌ أَكان ذلك باتفاق أم بملازمة خاصّة بذلك الكون أو عامّة، وهو أمرٌ معلوم لا فائدة في بيانه ولا حجّة فيه على خَلق عيسى من غير فحل، فلا يكون التفريع لو قيل: كن فكان، إلاّ لغواً في كلام متهافت[19].
[1]. طه:63.
[2]. النساء:162.
[3]. البقرة:177.
[4]. كان سيبويه يحترم آراء يونس، ويأخذها حجّة، والزَعم هنا بمعنى الرأي والنظر. راجع: كتاب سيبويه، ج1، ص288 – 291.
[5]. تأويل مشكل القرآن، ص53.
[6]. البقرة:234.
[7]. المنافقون:10.
[8]. راجع: تأويل مشكل القرآن، ص56.
[9]. الأعراف:160.
[10]. الأعراف:142.
[11]. القصص:27.
[12]. المدّثر:30.
[13]. البقرة:30.
[14]. المفردات، ص396.
[15]. آل عمران:59.
[16]. تفسير المنار، ج3، ص319، والآية في سورة الأنعام:73.
[17]. القمر:50.
[18]. يس:82.
[19]. الهدى إلى دين المصطفى، ج1، ص380.
