الجلسة الأولى
اعجاز القرآن الكريم
[1]
نظرة عامة على الإعجاز
اولاً. الإعجاز والحالات المشابهة له:
- إدعاء الأنبياء وتحديهم للغير: يكمن الفرق بين الإعجاز وبين الكرامات وأعمال المرتاضين والسحرة وامثال ذلك في (الإدعاء والتحدي)، اي أن النبي يقول انه يعمل بإذن ربه عملاً لا يمكنكم الإتيان به، وهذا العمل الخارق للعادة يعتبر ميزةً ميّزني به الله تعالى حتى تصدّقوا أنني نبي.
- عدم ادعاء غیر الأنبياء: الذين يعملون أعمالاً غير مألوفة لا يدّعون شيئاً ماعدا الأنبياء، فلو ادّعى أحدهم شيئاً لفقد مقدرته، كما هو الحالات في الكرامات العديدة التي صدرت من الأئمة المعصومین عليهم السلام او من خالص اولياء الله تعالى، فمما لا شك فيه أن الأئمة لن يدّعوا النبوة بل ولا اي شيء ليس لهم، اما بالنسبة لبقية اولیاء الله فلو فرضنا أن أحدهم ترك طريق الحق فسيفقد مقدرته على الکرامة بلا شك.
- بعض الأمثلة: في الأمثلة التالية نشاهد أن كلّ مَن قام بأعمالٍ غير عاديّة لم يدّعِ النبوة أبداً.
ألف- آصف بن برخیا: كان له علمٌ من الكتاب، واستطاع بعلمه هذا أن يأتي بعرش بلقيس من سبأ الى النبيّ سلیمان علیه السلام بطرفة عين. يقول تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل:40).
ب- بلعم بن باعورا: هكذا يذكر القرآن قصته: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:176).
وفي هذا الموضوع يروي المیزان الروایة التالية في المجلد 8 صفحة 337: في تفسير القمي في قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ الآية، قال: حدثني أبي عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: أنه أعطي بلعم ابن باعورا الاسم الاعظم، وكان يدعو به فيستجاب له فمال إلى فرعون، فلما مر فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمر في طلب موسى فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عز وجل فقالت: (ويلك على ماذا تضربني؟ أتريد أن أجيء معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين؟)، ولم يزل يضربها حتى قتلها فانسلخ الاسم من لسانه.
ج- سحرة فرعون: يذكر القرآن أنهم سحروا الأعين بسحر عظيم: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف:116).
د- الهنود المرتاضون: هؤلاء المرتاضون يجهدون أنفسهم بأعمالٍ جسمانيةٍ مضنية جداً وطويلة الأمد تمتدّ عادةً الى عدة سنوات، ويحصلون في النهاية على قدراتٍ خاصة، إلا أنه لم يروِ أحدٌ الى الآن أن مرتاضاً هندياً ادعی النبوة او حتى أي نوع من الکرامة تتعلق بالله سبحانه.
ثانياً. هناك نوعان من اعجاز الأنبياء:
- معجزات من أجل اثبات النبوة: كما في الحالات التالية:
ألف- عصا النبي موسى عليه السلام تتحوّل الى ثعبان: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (الأعراف:107).
ب- عصا موسى عليه السلام تلتهم حبال السحرة وعصيّهم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الأعراف: 117).
ج- إنزال انواع العذاب على فرعون وملئه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف:133).
د- النبيّ عيسى عليه السلام يصنع الطائر من الطين: ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ (آل عمران:49).
هـ- النبيّ عيسى عليه السلام يشافي المرضى ويحيي الموتى: ﴿وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ (آل عمران:49).
و- ناقة النبيّ صالح عليه السلام تشرب ماء النهر يوماً كاملاً ويشرب جميع الناس في اليوم التالي: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (الشعراء:155).
ز- رسول الله صلى الله عليه وآله يشق القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر:1).
- معجزات من أجل إنجاز بعض الأعمال: وكانت عادةً من أجل نجاة الأنبياء كما يلي:
ألف- النبي ابراهیم ينجو من نار قومه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء:68-69).
ب- لم يقطع السكين رأس النبيّ اسماعيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (107).
ج- انفلق البحر بضربةٍ من عصا موسى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء:63).
ثالثاً. إعجاز كل نبي ينتهي بساعته: معجزة كل نبي لا يراها إلا الأشخاص المشاهدون للمعجزة لحظة وقوعها، وتتحول بعد ذلك الى مجرد خبر يتناقله الآخرون، ولذا كان سهلاً على المعارضين أن يعتبروها أساطير وخرافات، ويستثنى من ذلك القرآن، فإن لنا فيه كلاماً آخر.
