الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (آل عمران: 191)

محاضرات ❯ اعجاز القرآن الكريم ❯ الجلسة الثالثة

الجلسة الثالثة

0:00 / --:--
icon
icon تحميل هذا الصوت

[3]

ثالثاً. الثقافة لدى العرب قبل الإسلام:

  1. انعدام العلم قبل الإسلام: قبل ظهور الإسلام كان الناس في الجزيرة العربية أميين جهلاء، فلم يكن هناك أي نوع من المعرفة، حتی أن بعض المدن كانت تفتقر الى شخصٍ واحد يستطيع القراءة والكتابة، وهذا ما جعل العرب يحترمون اهل الکتاب اي الیهود والنصاری احتراماً وافراً لأنهم يرونهم أصحاب علم، إلا أن علماء اهل الکتاب لم ينقلوا أي معلوماتٍ ذات قيمةٍ الى العرب، مستدلين على أن العلم لا يُعطى إلا الى أهله فقط، فكانوا يحرمون الجميع حتى أتباعهم من أدنى تعليم.

 

  1. الجهالة لدى العرب قبل الإسلام: الجهالة المطبقة على عامة الناس آنذاك تسببت في انتشار مختلف أنواع الأخلاق الفاسدة بين العرب، وإليك ثلاثة أمثلة من القرآن في الجهالة العربية:

ألف- وأد البنات: أي دفنهن وهن أحياء، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل:58-59).

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير:8-9).

ب- قتل الأولاد: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (اسراء:31).

ج- الظهار: وهو أن يقول لزوجته: «أَنتِ عَليَّ کَظهَرِ أُمّی»، ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (مجادله:2).

 

  1. نمو النضج الأدبي للعرب: قلنا أن العرب كانوا أنضج فكرياً من أمم الأنبياء السابقين بسبب التأخر الزمني عنهم، كما قلنا أنهم كانوا محرومين من اي منهلٍ للعلم، ولذا كان لديهم نوعٌ من الفراغ الفکري، مما جعلهم يلجأون الى الأدب لسد ذلك الفراغ، ومن جهةٍ أخرى فإن الإنسان بحاجةٍ إلى الجمال، ولكن الطبیعة الصحراوية وخشونة الحياة في الجزیرة العربية كانت تفتقر الى اي نوع من الجمال ماعدا جمال المرأة، ولذا كان العرب يبدأون قصائدهم دائماً بالغزل، وحيث أن هذا النوع من الجمال بعيدٌ عن الجانب الفکري تماماً اضطر العرب الى البحث عن الجمال في الكلام، فاستطاعوا أن يخلقوا أسمى آيات الجمال في الشعر والنثر والخطابة.

 

شبهة: لماذا تقول أن المعجزة لا تسبب الإیمان، فسحرة فرعون مثلاً او أتباع عیسی علیه السلام آمنوا بواسطة المعجزة.

الجواب:

اولا. النضج التدریجي للإنسان: يلزم أن نكرر موضوع النضج التدریجي للإنسان طوال التاریخ، رغم أن معلوماتنا عن تلك الحقب الزمنية البائدة قليلة جداً، ولعل المعلومات الوحيدة التي تفيدنا الآن تقتصر على الإیمان بالله تعالى، ويعتبر ذلك مقياساً جيداً للنضج الفکري، فعلينا أن ندرسه في الأحقاب الزمنية المختلفة حسب الترتیب التاریخي للأنبياء اولي العزم.

ثانیا. الأنبياء اولوا العزم: يذكر القرآن الأنبياء اولي العزم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف:35)، وهناك نقاشٌ تفسيری في من هم الأنبیاء اولوا العزم، إلا أن الاحتمال الأقوى هو أن المقصود الأنبياء العظام التالية أسماؤهم: نوح، ابراهیم، موسی، عیسی، ومحمد علیهم وآلهم السلام، ولعل سبب هذه التسمية هو أن شرائع هؤلاء الخمسة كانت عامة لجميع البشرية، حتی أن الأنبیاء التالين لهم أيضاً كانوا ملتزمين بشرائع هؤلاء، دون أن يغیّروا من أحکام الدین شيئاً.

  1. نوح علیه السلام: لم يذكر القرآن معجزةً لنوح النبي، وكان معظم الناس في زمنه كفاراً وعبدة أصنام، وظلوا على عبادة الأصنام حتى أغرقهم الطوفان، وهذا الأمر إنما يدل على أن عقول الناس في ذلك الزمان كانت لا تقوى على الإيمان بإلهٍ خلف ستار الغيب، ولعل دور طوفان نوح كان في تطهير المجتمع البشري بل الكرة الأرضية كلها من براثن الفساد المتفشي.
  2. ابراهیم علیه السلام: كان ابراهیم أول الأمر في بابل بالعراق ثم هاجر الى الشام اي الى فلسطین، وكانت له عدة سفرات الى الحجاز في جزیرة العرب، ولكن ليست لدينا أي أخبار عن ایمان الناس به، رغم ما شاهدوه من المعجزات مثل عدم حرق النار إياه، وانفجار نبع زمزم تحت رجلي ابنه اسماعيل، واما ولدا ابراهیم: اسماعیل في الحجاز واسحاق في الشام فقد كانت لهم ذرية كثيرة ومنهم الكثير من المؤمنين، اي أن الناس كانوا قد تقدموا فکرياً على قوم نوح الى حدٍّ ما، وإن كان هذا النضج لا يزال ضئيلا لأنهم مع تقادم الأيام خلطوا الشرك بالإيمان واتخذوا مركز الإيمان اي الکعبة معبداً لأصنامهم.

ويمكننا القول بأن الدور الأساسي لإبراهيم عليه السلام هو بناء المسجد، إذ يقال ان آدم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة أي المسجد الحرام ثم اندثرت آثاره فأعاد ابراهيم بناءها وعاونه اسماعیل عليهما السلام، ويقال مثل هذا القول عن المسجد الاقصی أيضاً بأن آدم بناه وأعاد إبراهيم البناء بعدما انمحت آثاره، وتوجد في المسجد الاقصی آثار عديدةٌ تتعلق بإبراهیم والأنبياء اللاحقين له، إلا أن المسجدين المقدسين ينسبان اليوم الى ابراهیم دون آدم، وكلتاهما قبلتان للمسلمين ومركزان للحج، اي أن إبراهيم هو المؤسس للنقاط المرکزية التي تربط الإنسان بربه.

  1. موسی عليه السلام: ایمان السحرة يدل على أمر خاص، وهو أن مَن يبحث عن الهدایة يفتح الله له أبواب الهدایة، والسحرة أشخاصٌ متميزون كانوا يبحثون عن الحقیقة فاتجهوا نحو العلم، وحيث كان العلم في ذلك الزمن مقتصراً على السحر اقتناه هؤلاء، فلما رأوا معجزة موسی لقوا ضالتهم فيها فآمنوا به بطرفة عين ایماناً راسخاً لم يزلزله تهدید فرعون وبطشه.

أما المصريون فلم يؤمنوا بموسی، وأما بنو اسرائیل فقد اتبعوا موسى على أمل أن ينجيهم من ظلم فرعون دون أن يدخل الإيمان في قلوب غالبيتهم، ويتبين کفرهم في مواقف عديدة، ولكن ظهر بعض المؤمنين في بنی اسرائیل من بعد موسی وإن كانت الأكثرية لا تزال ضعيفة الإيمان، وحتى هذه الأقلیة المؤمنة ايضاً أصيبت بانحرافات فکرية، فيروي القرآن أنهم زعموا بأن عزیراً ابن الله. وبالتالي فالنضج الفكري لم يزل ضئيلاً لم تنفع معها المعجزات العديدة لموسی عليه السلام لحث الناس على الإيمان.

والظاهر أن الدور الأساسي لموسی هو الإيتاء بشریعةٍ کاملة، فالتوراة اليوم هي أقدم کتاب سماوي بين أيدي البشرية، ويبدو أنها اول شریعةٍ کاملةٍ نزلت من السماء، ورغم جميع البلايا التي أصابت التوراة طوال التاریخ إلا أنها لا تزال مملوءة بالأحکام والإرشادات الإلهية السامية.

  1. عیسی عليه السلام: رأينا أن الآیة 52 من سورة آل عمران تقول بأن عامة الناس لم يؤمنوا، فلم يجب دعوة عيسى عليه السلام إلا الحواریون، رغم ما شاهدوه من المعجزات العظيمة، ولكن بعد عروج عیسی الى ربه زاد عدد المؤمنین، ولم يزعزعهم الاضطهاد والقتل من قِبَل الحكومات الکافرة، بل إن الحكام بأنفسهم استسلموا في النهاية لدین عیسی، ولكنهم حرفوا الدین عن مسيره الصحيح فقد اختلقوا فيه الشرك الثلاثي، وجعلوا من عیسی الذي أتاهم بالتوحيد شریكاً لله. فهم كانوا إذن ناضجين فكرياً الى حدٍّ ما، إلا أن ایمانهم لايزال ضعيفاً لا ثبات فيه.

ولعیسی دورٌ في تغییر بعض الأحكام المشددة التي فرضها الله تعالى على قوم موسى تأديباً لهم لما رأى منهم من التمرد على الحق، ولذا نجد أن الإنجیل لا يحتوي على احکام إلا هذه الحالات المذكورة، فشریعة عیسی استمرار لشریعة موسی عليهما السلام.

icon