الجلسة الخامسة
[5]
- عتبة بن ربيعة: هو ابو هند أم معاوية بن ابي سفيان.
قال ابن إسحاق: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، أسمعْ، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا.
حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. [تاريخ ابن هشام ص19].
سادسا. مكيدة قریش لأیام الحج وسائر الأیام: كانت قريش يحذّرون الحجيج من رسول الله صلى الله عليه وآله مدّعين أنه يسحرهم بكلامه:
- مکیدة ولید بن مغیرة: كان الوليد قد حضر الموسم، فاستغلّت قريش حضوره فاستشاروه بشأن دعوة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فأشار عليهم بتهمة السحر، لمّا لم يجدوا سبيلاً إلى رميه بجنون أو شعر أو كهانة.
قال: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا، فيكذّب بعضكم بعضاً ويردّ قولكم بعضه بعضاً.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقول به. قال: بل أنتم فقولوا، أَسمع.
قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.
قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما بخنقه ولا تعالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. [إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطاً ثُمّ ينفث فيه، أي ينفخ ما يدمدمه من أَوراد]
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ أصله لعَذق، وإنّ فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلاّ عرف أنّه باطل. وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقوله هو، سحر يُفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك.
فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلاّ حذّروه إيّاه، وذكروا لهم أمره. [سيرة ابن هشام: ج1، ص288 ـ 289]
- طفيل بن عمرو الدوسي: وكان الطفيل بن عمرو الدوسي شاعراً لبيباً من أشراف العرب، كان قد قَدِم مكّة ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بها، فمشى إليه رجال من قريش وقالوا له: يا طفيل، إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر يُفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلّمه ولا تَسمَعن منه شيئاً.
وكانت قريش قد تخوّفت من إسلام الطفيل، الشاعر المُفلّق، وللشعر عند العرب مكانة سامية، فإذا أسلم اندفعت العرب وراءه.
قال الدوسي: فوالله ما زالوا بي حتّى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أُكلّمه، حتى حشوت في أُذُني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً، فَرَقاً من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد وإذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائم يُصلّي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلاّ أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكل أُمّي، والله إنّي لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته وإن كان قبيحاً تركته.
قال: فتبعته إلى بيته، وحدّثته الحديث، وقلت له: فأعرض عليَّ أمرك، قال: فعرض (صلّى الله عليه وآله) عليَّ الإسلام وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ، فرجع إلى قومه وكان داعية الإسلام، وأسلمت معه قبيلة دوس. [سيرة ابن هشام: ج2 ص 21 ـ 25، أُسد الغابة: ج3 ص54]
- منع الناس عن الاستماع للنبي: قال ابن عبّاس: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو بمكّة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، قال: بالتصفير والتخليط في المنطق على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا قرأ القرآن، قريش تفعله. [الدرّ المنثور للسيوطي: ج5، ص362 ـ 363]
والآية التالية تشير الى ذلك: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ”. (فصلت:26)
سابعا. ولید بن مغیرة:
- من هو وليد بن مغيرة:
(مكانته في قومه) من أغنى أغنياء قريش حيث ورد أنه بنى ركناً من أركان الكعبة الأربعة عندما قامت قريش بترميمها واشتركت باقي القبائل في بقية الأركان، وقيل أن قافلة تجارته تقدر بمائة بعير حتى يقال إنها لا تدخل من باب واحد بل من جميع أبواب مكة حتى تصل الجمال في وقت واحد، كانت قريش تسميه الوحيد أو وحيد مكة لأن قبائل قريش تكسو الكعبة عاماً وهو وحده عاما.
(بنو مخزوم وبنو هاشم) کان الولید من بنی مخزوم. ولما نشبت حرب بدر الكبرى جاء الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة إلى أبي جهل ابن هشام بن المغيرة ولما اختلى به سأله قائلاً: “أترى محمداً يكذب؟” فقال أبوجهل: “ما كذب قط، وكنا نسميه الأمين ولكن إذا كان في بني هاشم السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء لبني مخزوم؟” فمن هذا يتبين أن بني مخزوم يرون أنفسهم في درجة بني هاشم.
(لو صبأ الوليد لتصبأن قريش) ذكر الإمام البغوي في تفسيره أن النبي في المسجد قرأ: “حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ”. (سورة غافر:1-3) وكان الوليد يسمع قراءته ففطن له رسول الله وأعاد الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه فقال: “والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وأنه يعلو وما يعلى عليه”. ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: “صبأ والله الوليد وهو ريحانة قريش، والله لتصبأن قريش كلهم”، فقال أبو جهل: “أنا أكفيكموه”. فانطلق فقعد إلى جنب عمه الوليد حزيناً فقال له الوليد: “مالي أراك حزيناً يا ابن أخي؟” فقال: “وما يمنعني أن أحزن؟ وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد”، فغضب الوليد وقال: “ألم تعلم قريش أني من أكثرها مالاً وولداً؟ وهل شبع محمد وأصحابه ليكون لهم فضل؟” ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: “تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يحنق قط؟” قالوا “اللهم لا”، قال “تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟” قالوا” اللهم لا”، قال “تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟” قالوا لا، فقالت قريش للوليد: “فما هو؟” فتفكر في نفسه ثم نظر وعبس فقال: “ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر”. فنزل فيه قول القرآن في سورة المدثر: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. [تفسير البغوي، سورة المدثر، تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ].
(النتيجة) إن الوليد بن مغيرة كان مثل فرعون في قومه، فكما أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام اول بعثته الى فرعون، لأنه لو آمن فرعون لآمن قومه جميعا، كذلك رأينا كيف أن قريشاً خافت من أن يصبأ الوليد من دينهم فقالوا: (لتصبأن قريش كلهم)، وهذا يدل على مكانته الخطيرة في قومه، حتى أن القرآن هاجمه في سورة المدّثّر أشد الهجوم خلال عشرين آية كاملة، فلا تجد في كتاب الله رجلاً خصص له تعالى هذا الحجم الكبير من الهجوم في مكان واحد، فإذا أضفنا الى ذلك الإشارة اليه في القرآن بغير هذا الموقف لعرفنا أهمية هذا الرجل، فلعله يمكن القول أنه لو أسلم الوليد لتغير تاريخ الإسلام من أوله ولآمنت مكة برمتها، ولم يلزم أن يهاجر النبي عنها ليجعل غيرها من البلاد منطلقاً لنشر الإسلام.
