الجلسة العاشرة
[10]
الآية الثانية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. (سورة الحج: الآية 73).
من تفسير الميزان:
- المعنى: انه لو فرض أن آلهتهم شاءوا أن يخلقوا ذبابا وهو أضعف الحيوانات عندهم، لم يقدروا عليه ابدا وإن يسلبهم الذباب شيئا مما عليهم لا يستنقذوه بالانتزاع منه.
- ضعف آلهتهم: فهذا الوصف يمثل حال آلهتهم من دون الله في قدرتهم على الايجاد وعلى تدبير الامر، حيث لا يقدرون على خلق ذبابة، وعلى تدبير أهون الامور وهو استرداد ما أخذه الذباب منهم وأضرهم بذلك، وكيف يستحق الدعوة والعبادة من كان هذا شأنه؟
- ضعفٌ امام الضعيف: قوله: “ضعف الطالب والمطلوب” مقتضى المقام أن يكون المراد بالطالب الآلهة وهي الاصنام المدعوة فإن المفروض أنهم يطلبون خلق الذباب فلا يقدرون، واستنقاذ ما سلبه إياهم فلا يقدرون، والمطلوب الذباب حيث يُطلَب ليُخلَق ويُطلَب ليُستَنقَذ منه.
الآية الثالثة: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. (سورة هود: الآية 44).
- معنى الآية: وقال الله للارض بعد هلاك قوم نوح: يا ارض اشربي ماءك، ويا سماء امسكي عن المطر، ونقص الماء ونضب، وقضي امر الله بهلاك قوم نوح، ورست السفينه على جبل الجودي، وقيل هلاكا وبعدا للقوم الظالمين، الذين تجاوزوا حدود الله ولم يؤمنوا به.
- من تفسير الميزان:
* إنهاء العذاب: في قوله (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) لم يصرح باسم قائله وهو الله عز اسمه للتعظيم، والامر تكويني يترتب عليه من غير فصل أن تبتلع الارض ما على وجهها من الماء المتفجر من عيونها، وأن تكف السماء عن امطارها.
* ماء الأرض وماء السماء: فيه دلالة على أن الارض والسماء كانتا مشتركتين في اطغاء الماء بأمر الله، كما يبينه قوله تعالى في نفس حادثة قوم نوح: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) القمر: 12.
* وغيض الماء: أي نقص الماء ونشف عن ظاهر الارض، يقال: غاضت الارض الماء أي نقصته، وذلك باجتماع ما يمكن اجتماعه منه في البحار والبحيرات، وانتشاف ما على سائر البسيطة.
* وقضي الامر: أي إنجاز الوعد لنوح عليه السلام من عذاب القوم، وتنفيذ الامر الإلهى بغرقهم وتطهير الارض منهم.
* واستوت على الجودى: أي استقرت السفينة على (الجودي) وهو مطلق الجبل والارض الصلبة، وقيل: هو جبل بأرض موصل في سلسلة جبال تنتهي إلى ارمينية وهي المسماة آرارات، وهو اخبار عن اختتام ما كان يلقاه نوح ومن معه من أمر الطوفان.
* وقيل بعدا للقوم الظالمين: أي قال الله عز اسمه: بعدا للقوم الظالمين، أي ليبعدوا فأبعدهم بذلك من رحمته وطردهم عن دار كرامته.
* الصفح عن ذكر الفاعلين: لم يصرح باسم القائل وهو الله عز اسمه في قوله: (وقيل يا أرض) وقوله: (وقضى الامر) وقوله: (وقيل بعدا)، إما للتعظيم او لأن هذه الامور العظيمة الهائلة المدهشة لن يقدر عليها إلا الواحد القاهر ذكر أم لم يذكر. ولأجل التهويل ايضاً حذف فاعل (غيض الماء) وهو الارض، وفاعل (استوت على الجودى) وهو السفينة، ولم يعيَّن القومُ الظالمون بأنهم قوم نوح، ولا الناجون بأنهم نوح عليه السلام ومن معه في السفينة.
- بلاغة الآية: وقد تصدّى السكّاكي في «المفتاح» في بحث البلاغة والفصاحة لبيان بعض خصائص البلاغة في هذه الآية، فقال: والنّظر في هذه الآية من أربع جهات، من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية.
* من جهة علم البيان: إنه عزّ وجلّ أراد أن يقول أردنا:
- أن نَرُدّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها،
- وأن نقطع طوفان السماء،
- وأن نغيض الماءَ،
- وأن نقضيَ أمر نوح عليه السّلام وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه،
- وأن نسوي السّفينة على الجوديّ،
- وأن نبقي الظّلَمةَ غَرْقى.
فبُنِيَ الكلام على:
- تشبيه المراد بالمأمور (أي الأرض والسماء)،
- وتشبيه تكوين المراد بالأمر (ابلعي، اقلعي)،
- وأن السماوات والأرض تابعة لإرادته كأنها عقلاء مميّزون.
ثم بنى على تشبيهه هذا نَظْمَ الكلام:
- فقال جلّ وعلا: (قيل) على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجَعل قرينة المجاز الخطاب للجماد، فقال: (يا أرض ويا سماء)،
- ثم استعار لغور الماء في الأرض البلعَ، للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي،
- ثم استعار الماء للغذاء، وجعل قرينة الاستعارة لفظة (ابلعي)،
- ثم قال (ماءك) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتصال المِلْك بالمالك،
- ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل، للشبه بينهما في عدم ما كان،
- ثم أمَر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً: (أقلعي) لمثل ما تقدم في (ابلعي).
حذف الفاعل: ثم قال: (وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ وقيل بعداً) فلم يصرح بمن غَاض الماءَ، ولا بمن قَضَى الأمر وسوّى السفينة وقال (بعداً)، كما لم يصرح بقائل (يا أرض) و(يا سماء) في صدر الآية، سلوكاً في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلاّ من ذي قدرة لا يُكتنه، قهار لا يغالب، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلاً (يا أرض) و(يا سماء)، ولا غائضاً ما غاض، ولا قاضياً مثل ذلك الأمر الهائل، أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره.
ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم لا غير، خَتْمَ إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه، وأن قيامة الطوفان وتلك الصورة الهائلة إنّما كانت لظلمهم.
* من حيث علم المعاني: وله جهتان:
الجهة الأولى: النّظر في إفادة كل كلمة فيها:
- اختير(يا) دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المنادَى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة.
- واختير (ابلعي) على ابتلعي لكونه أخصر، ولمجيء حظّ التجانس بينه وبين (أقلعي) أوْفَر.
- وقيل (ماءَك) بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأتي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت.
- وإنما لم يقل (ابلعي) بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء وغيرها.
- ثم إذ بَيّن المرادَ، اختصر الكلام مع (اقلعي) احترازاً عن الحشْو المستغنى عنه، وهو الوجه في أن لم يقل: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلَعَت، ويا سماء أقلعي فأقلعت.
- وكذا الأمر دون أن يقال: قُضي أمرُ نوح عليه السّلام، وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحاً عليه السّلام من إهلاك قومه، لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك.
- ثم قيل: (بعداً للقوم الظالمين) دون أن يقال: ليبعَد القومُ، طلباً للتأكيد مع الاختصار وهو نزول (بعداً) منزلة ليبعَدُوا بعداً.
- ثم أطلق الظلم ليتناول كلّ نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل.
الجهة الثانية: النظر إلى ترتيب الجمل، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها:
- انه قد قدّم النداء على الأمر، فقيل (يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي) دون أن يقال: (ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء)، جرياً على مقتضى اللازم من تقديم التنبيه فيمن كان مأموراً حقيقة، ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادَى قصداً بذلك لمعنى الترشيح، والترشيح هو ذكر ما يلائم المُشبَّهَ به في الاستعارة (أي الانسان الذي يبلع ويقلع) تقويةً لها.
- ثم قدّم أمر الأرض على أمر السماء وابتدىء به لابتداء الطوفان منها، ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل، والأصل أوْلى بالتقديم.
- ثم أتْبَعَهَا قوله (وغيض الماء) لاتّصاله بغيضية الماء وأخذه بحجزتها، ألاَ ترى أصل الكلام: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله، وغيض الماء النازل من السماء فغاض.
- ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله تعالى (وقضي الأمر) أي أنجز الموعود ثم أتبعه حديث السفينة وهو قوله (واستوت على الجوديّ).
الجهة الثالثة: النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية:
فهي كما ترى نظمٌ للمعاني لطيفٌ وتأديةٌ لها ملخّصةٌ مبيّنة، بلا تعقيد يعثّر الفكر في طلب المراد، ألفاظها تطابق معانيها ومعانيها تطابق ألفاظها.
الجهة الرابعة: النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية:
فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة عن التّنَافر، بعيدة عن البشاعة،. هذه نهاية كلام المفتاح.
الآية الرابعة: فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا. (سورة يوسف: الآية 80).
من تفسير الميزان:
يئس واستيأس بمعنى واحد. والنجيّ: القوم يتناجون، والمناجاة: المسارة. والمعنى: فلما استيأسوا أي الإخوة من يوسف ان يخلي عن سبيل أخيه ولو بأخذ أحدهم بدلا منه، خلصوا وخرجوا من بين الناس إلى فراغ يتناجون في امرهم أيرجعون إلى ابيهم وقد اخذ منهم موثقا من الله ان يعيدوا اخاهم إليه ام يقيمون هناك ولا فائدة في اقامتهم، ماذا يصنعون؟
