الجلسة الثامنة عشرة
[18]
رابعاً. بعض ما ذكروه من الإعجاز العلمي للقرآن في الحياة على الأرض:
- الماء والحياة:
إن الماء له دور أساسي لوجود الحياة على الأرض، ولا يوجد سائل في الأرض يصلح أن يكون وسطاً صالحاً للتفاعلات الحيوية في جسم الأحياء غير الماء، كما أن الجزء الأكبر من جسم كل كائن حي نباتاً كان او حيواناً يتكون من الماء بما في ذلك جسم الإنسان، والآية التالية تشير الى هذه الحقيقة: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)[1].
- العنكبوت:
ورد بالقرآن قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)[2].
إن لفظ العنكبوت مذكر في اللغة، ولكن الآية تعامله معاملة المؤنث ولم يُعلم سبب ذلك من قبل، ولكن العلم الحديث اكتشف أن التي تقوم ببناء البيت هي أنثى العنكبوت فقط من خلال مغزل خاص موجود في نهاية بطنها ولا يوجد مثله عند الذكر. وأيضا شبه الله الذين يتخذون أولياء غير الله ببيت العنكبوت، وقد كشف العلم مؤخرا سر ذلك التشبيه، وهو أن بيت العنكبوت هو الأبعد عن صفة البيت بما فيه من أمان وسكينة، فالعنكبوت الأنثى تبني البيت وتغزل خيوطه وهي الحاكمة فيه وتقتل الذكر بعد أن يلقحها وتأكله، ولهذا يعمد الذكر إلي الفرار دون عودة بعد أن يلقح، والأبناء يأكل بعضهم بعضا بعد الخروج من البيض، وتغزل أنثى العنكبوت بيتها ليكون فخاً وكميناً ومقتلاً للحشرات، وكل من يدخل البيت من زوار وضيوف يُقتل ويُلتهم، فهو أوهن البيوت لمن يحاول أن يتخذ منه ملجأ.
- تحريم لحم الخنزير:
لقد حرم القرآن لحم الخنزير، ونفذها المؤمنون امتثالاً لأمره تعالى دون أن يناقشوا علة التحريم، وقد وجد العلماء في عصرنا الحاضر من الأدلة العلمية على وجود الأمراض في لحوم الخنازير ما يكفي ليوصوا بعدم تناوله أو الإقلال منه، ولا فائدة من تربية الخنزير في مكان نظيف لأن لحمه يحتوي على مواد معقدة تضر الدماغ حتى لو كان نظيفاً، قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ)[3].
السبب في تحريم أكل لحم الخنزير:
١ – الخنزير مخلوق غير نظيف يتغذي على القاذورات والفضالات والديدان وبقايا الحيوانات والحشرات وأي شيء يجده يأكله، لذا فهو سبب في نقل الأمراض.
٢ – لحم الخنزير مليء بالكولسترول ومشبع بالدهون الضارة حيث أن نسبة الدهون الموجودة في الخنازير تعتبر ضعف النسبة الموجودة في اللحم البقري.
٣ – اللحم البقري وغيره من المواشي يستغرق الإنسان في هضمه من 8 الى 9 ساعات فالسموم الموجودة بها تمتص ببطء داخل جسم الإنسان، ولكن لحم الخنزير يمتصه الجسم في 4 ساعات مما يعني تعرض الجسم لكمية أكبر من السموم.
٤ – الغدد العرقية في الخنزير قليلة جداً فالخنازير تكاد لا تعرق مثل باقي الحيوانات والعرق من أهم وسائل طرد السموم من الجسم، ومع منع العرق من الخروج تترسب السموم بنسبة أكبر في لحم الخنزير.
٥ – لحم الخنزير يحتوي على نسبة عالية من الطفيليات والديدان والتي قد لا يتم القضاء عليها في درجة غليان اللحم العادية.
- 4. الرياح اللواقح: اللِّقاحُ: اسم ماء الفحل، فاللاقح هو الذكر انساناً كان او حيواناً او نباتاً، ولكن ما علاقة ذلك بالرياح حتى يسمي القرآن الرياح لواقح، الظاهر أن القرآن شبه التزاوج في ذرات جميع العالم من حيث وجود الشحنات الموجبة والسالبة فيها، شبهها بوجود نوعين من الكائنات الحية وهما الذكر والأنثى، كما شبه تفريغ الشحنات في السحاب وحدوث البرق وإيجاد المطر بعملية التلقيح بين الجنسين في الأحياء للتكاثر.
(قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)[4].
خامساً. الإحصاء في القرآن:
كان العرب قبل الاسلام جهلاء حتی في العدّ، مثلا إذا اراد الراعي أن يأخذ قطيعه الى المرعى يأتي بوعاءين أحدهما مليء بالحصى والآخر فارغ، وكلما خرج أحد الأغنام من الحظيرة أخذ الراعي حصاةً من الوعاء المليء ورماها في الوعاء الآخر، وعند العودة من المرعى يعيد الحصى مع دخول الأغنام، فإذا ظلت حصاةٌ أدرك الراعي أن أحد الأغنام لم يعد، ولذا اشتقت كلمة (الإحصاء) بمعنى العدّ من (الحصاة)، وقد ذكر هذا الأمر في الأدب العربی ايضاً، أنظر كيف يفخر الشاعر بقومه:
الأكثرون إذا يُعدُّ حصاهمُ والأكرمون إذا يُعدُّ الأولُ
فكيف ياترى يمكن أن يخرج من بين هؤلاء الجهلاء کتابٌ يذكر مسائل حسابية أصعب من العدّ بكثير، فمجرد ذكر معلومات حسابية في زمن الجاهلية أمر يشبه المستحيل، وإليك بعض الأمثلة:
- 1. ایام السنة: كان العرب يرون أن السنة تعادل 360 يوماً، لأنهم يظنون أن كل شهر قمري يعادل 30 يوماً والسنة فيها 12 شهراً، فتصبح السنة 360 يوماً، رغم أننا نعلم أن السنة القمرية (مثل الهجرية) أقل من 360 يوم، والسنة الشمسية (مثل الميلادية) أكثر من 360. والسبب في بروز هذا الخطأ أنهم لم يهتموا أبداً في التوقيت بدقة لتولّد الهلال اول الشهر القمري او محاق القمر في نهاية الشهر ليقارنوا ذلك مع الشهر القادم فيعلموا أن بعض الأشهر 29 يوماً، خصوصا أنهم لم يكونوا يشعرون بالحاجة الى تلك الدقة، فلا تهمهم الدقة في ایام الحج ولا يريدون الصيام في شهر رمضان.
واستمرت الحالة كما هي حتى نزل القرآن فقال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)[5]، فعرف الناس أن من الواجب عليهم رؤية الهلال في بداية كل شهر ليعلموا مثلاً اليوم التاسع من ذی الحجة حيث تبدأ اعمال الحج، او متى يبدأ شهر رمضان او شهر شوال ليصوموا ويفطروا.
وقد شرح النبي صلی الله علیه وآله والأئمة علیهم السلام هذه المسألة باعتبارهم المفسرين الأساسيين للقرآن الكريم، فمثلا يقول الإمام الصادق في روايةٍ: (صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته)[6].
- 2. منام أصحاب الکهف: بالنسبة الى مدة منام اصحاب الکهف يقول القرآن الكريم: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)[7]، كان نوم اصحاب الکهف 300 سنة میلادية أي ما يعادل 309 سنة قمرية (كالسنة الهجرية)، ولكن القرآن لم يقل 300 ولا 309، بل ذكر 300 سنة اولاً ثم أضاف 9 سنين في الجملة التالية، فإذا كان يقول 300 لقالوا لِمَ لم يقل 309 لأن الخطاب في القرآن كان للعرب وهم يعرفون السنة القمرية، إما اذا ذكر 309 لقالوا إن اصحاب الکهف كانت سنتهم ميلادية فكان الأجدر أن يقول 300.
الفرق بين 300 سنة ميلادية و 309 سنة قمرية ثلاثة أشهر، وإليك حسابها:
309 سنة قمرية* 354 يوم = 109386 يوم + 103 ایام تضاف للسنوات الکبیسة = 109489 يوم.
300 سنة شمسية* 365 يوم = 109500 يوم + 75 يوما تضاف للسنوات الکبیسة = 109575 يوم.
[1] الأنبياء:30.
[2] العنكبوت:41.
[3] البقرة:173.
[4] الحجر:22.
[5] البقرة:189.
[6] التهذيب 4: 157 | 436، والاستبصار 2: 63 | 205.
[7] الكهف:25.
