الجلسة الثانية عشرة
[12]
الصراع مع القرآن
صراع الحق والباطل: ليست الحياة الدنيا إلا ساحة قتالٍ بين الحق والباطل، فبعثة الأنبياء تعني أن الحق يغزو الباطل، وامام ذلك فإن صراع الكفار ضد الأنبياء وأصحابهم يعني أن الباطل يغزو الحق، ويظهر هذا الصراع أحياناً على شكل مذبحةٍ دموية او على شكل اتهامات وافتراءات عليهم، وسنشير الآن الى صراع الكفر ضد الإسلام.
أولاً. صراع الكفار مع رسول الله: كلما تظهر رايةٌ للحق يسعى أهل الباطل أن ينزلوها بالإرهاب، فإما يغتالون الشخص او يشوهون سمعته، وهكذا تصرف الأعداء ضد رسول الله صلى الله عليه وآله:
- اغتيال الرسول: كان ابوطالب عليه السلام حصناً منيعاً للرسول، فلم يتجرأ الأعداء على اغتيال الرسول مادام ابوطالب حياً، وبمجرد وفاته وثبوا على الرسول ليقتلوه فأمره الله تعالى بالهجرة وباءت محاولتهم بالفشل، ومنذ تلك اللحظة حتى وفاته صلى الله عليه وآله حاولوا بالحروب المتوالية إبادة الرسول وأصحابه وطمس معالم الإسلام قبل أن تزدهر.
- تشويه سمعة الرسول: منذ بداية الدعوة حاولوا بشتى الطرق أن يتهموا الرسول بأي تهمة كاذبة علّها تردع الناس عنه، فقالوا مثلا إنه شاعر، او مجنون، او کاهن، او ساحر.
* ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾[1].
* ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾[2].
ثانياً. الصراع مع القرآن: لما يئس الکفار من قتل الرسول او تشويه سمعته حملوا على القرآن، واليك الآن بعض ما جنوه:
- منع الاستماع للقرآن: قرأنا كيف بذلت قريش ما في وسعها لتمنع الناس من الاستماع للرسول ولقرائته للقرآن، لأنهم كانوا عالمين أنهم لو استمعوا الى القرآن لانقلبوا مسلمين.
- رد تحدي القرآن: قلنا ان القرآن ابتدأ بتحدي العرب ثم تحدى جميع الناس وطالبهم أن يأتوا بكلامٍ مثله إن استطاعوا، اما العرب اول ظهور الإسلام فكانوا يتمتعون بمقدرةٍ أدبيةٍ عالية ولذا لم يجرئوا على تحدي القرآن لعلمهم أن هذا التحدي غير ممكن، ولكن بعد دخول الأمم الأخرى في الإسلام ضعفت المقدرة الأدبية للناس فظن بعض كبار الأدباء أنهم قادرون على التحدي ولكن سرعان ما انتبهوا الى خطأهم وتراجعوا.
- شبهتان في بلاغة القرآن: طرحوا شبهتين على بلاغة القرآن وقد ذكرنا جوابهما، إحداهما أن الألفاظ من صنع البشر فلِمَ لا يستطيع أن يوجد تركيباً ذا بلاغةٍ عالية، والجواب أن الإنسان صانع الألفاظ لا التركيبات، والثانية أن القرآن خليط من المعجز وغير المعجز وأجبنا أنه يجوز وجود تركيبين معجزين لنفس الموضوع.
- قالوا ان القرآن ليس كلام الله: أشرنا الى أن بعض المتأخرين يزعمون أن المعلومات نزلت من قبل الله على النبي بصورة وحي، والنبي بيّنها بكلامه فالقرآن كلامه لا كلام الله، وذكرنا جواب هذا الزعم الباطل.
- طرح الشبهات الأدبية: حاولوا ايجاد شبهاتٍ ادبيةً على القرآن، وسنرد اولاً بجوابين عامين على ما يقولون، ثم سنذكر بعض تلك الشبهات مع الإجابة عليها، والباقي على نفس المنوال.
- شبهاتٌ غير ادبية على قرآن: حاولوا اختلاق شبهاتٍ تأريخيه، وعلمية وما الى ذلك على القرآن وسنرد عليها بعدئذ.
شبهات حول القرآن
اولاً. جوابان على الشبهات الأدبية على القرآن:
سنناقش الآن الشبهات الأدبية المطروحة على القرآن، وأما سائر الشبهات فسنذكرها بعد نقل الجوانب الإعجازية الأخرى للقرآن، زعموا أن القرآن يحتوي على اخطاءٍ أدبية، والآن وقبل نقل أمثلة من هذه الأخطاء المزعومة سنشير الى جوابين كليين في هذا الصدد:
- ارتقى مشركو العرب قبل الإسلام الى أعلى درجةٍ أدبيةٍ في اللغة العربية، فكانوا يتحدثون بدقة ودون أدنى لحنٍ في الكلام، وقد حاول هؤلاء المشركون قصارى جهدهم لتشويه الدعوة الإسلامية، فإذا كانوا يشاهدون أي خطإٍ في القرآن لعابوا على النبي صلى الله عليه وآله ذلك ولشوهوا سمعته، ولكن لم نسمع طوال تاريخ الدعوة المحمدية صلى الله عليه وآله أن أحداً من المشركين قال: هذا محمد يلحن في الكلام، بل على العكس من ذلك كانوا يمدحون القرآن معجبين ببلاغته العجيبة.
- استخرج علماء النحو والصرف قواعد اللغة العربية من التراث الأدبي للعرب القدماء، سواءً من الشعر او الخطابة او غيرهما، وقد نزل القرآن باللغة العربية، فكانت آياته من أحسن وأبلغ ما تحدث به العرب ومن أجود المصادر لاستخراج قواعد اللغة، وبناءً على ذلك إذا كان هناك ثمة خطأٍ فلنبحث عنه في القواعد المقتبسة لا في القرآن او في تراث العرب، وفي هذا الصدد نلاحظ أن النحویين في الكوفه يختلفون مع النحویين في البصرة اختلافاً كبيراً، حتى عدّوا الكوفة والبصرة مدرستين نحويتين مختلفتين، ونستنتج من ذلك أن فواعد اللغة ليست أمراً مسلّماً.
هذا ابن مالك صاحب الألفية في النحو يجعل القرآن سنداً قطعياً لقاعدة لغوية، يقول:
وسَبْقُ حالٍ ما بحرفٍ جُرَّ قَدْ * أَبَـوا ولا أمـنَعُه فَـقَدْ وَرَدَ
يعني أنّ بعض النُحاة أبوا أن يأتي الحال سابقاً لذي الحال إذا كان ذو الحال مجروراً بحرف جر، ولكن ابن مالك لا يمنع ذلك لوروده في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ…﴾[3]، فإن (كافّةً) حالٌ من (الناس) و(الناس) مجرورٌ باللام.
ثانياً. نبذةً من الشبهات المذكورة: والباقي على نفس المنوال.
- قوله تعالى: (اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)[4]، حيث لم يقل (قريبة) ليوافق التأنيث في الساعة. والامر لا يختص بهذه الآية، قال تعالى:
* (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)[5]، الظاهر أنه كان يلزم أن يقول (رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبةٌ).
* (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ)[6]، لماذا لم يقل (غَيْرَ بَعِيدةٍ).
الجواب:
(1) قال ابن منظور[7]: لأن فعيلاً يوصف به المؤنث بلا علامة تأْنيث كما يوصف المذكر نحو امرأَة قتيل وكفّ خَضيب.
(2) حكي عن الفراء من أن القرب والبعد إن اُتي بهما لبيان القرابة النسبية وانتفائها لوحظ فيهما التذكير والتأنيث وان اتي بهما لبيان القرب والبعد المكاني او الزماني ولو تجوّزاً لم يلاحظ التذكير والتأنيث، للفرق بين المعنيين ولأن الصفة في الواقع صفة للمكان او الزمان وليس معناه تقدير كلمة مكان ليختل النظم والتركيب بل بمعنى أن تذكير الصفة بلحاظ انها في الواقع للمكان ولو تجوّزا.
- قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى)[8]، (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر، ولذا فإن (الذين) منصوبٌ و(الصابئون) معطوف عليه ومنصوب، فيلزم أن يقال (الصابئين).
الجواب:
(1) قال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك.
(2) تفسير الميزان: ظاهرها أن “الصابئون” عطف على “الذين آمنوا” بحسب موضعه، وجماعة من النحويين يمنعون العطف على اسم إن بالرفع قبل مضي الخبر، والآية حجة عليهم.
يلاحظ أن الميزان يشير الى الجواب الرئيسي الذي ذكرنا من أن اللغويين يجب عليهم أن لا يخالفوا القرآن في استخراج قواعدهم النحوية، لا أن القرآن ملزمٌ باتباع قواعد النحويين.
(3) قال ابن كثير: “والصابئون”، لما طال الفصل حسن العطف بالرفع.
(4) إعراب الاسم (الذين) غير ظاهر لأنه مبنيٌّ، فيجوز الرفع لمُناسبة الواو في ما قبله (هادوا)، قال الفرّاء: يجوز ذلك إذا كان الاسم ممّا لم يَتبيّن فيه الإعراب كالمُضمر والموصول[9] كقول الضابئ البرجمي:
فمَن يكُ أمسى بالمدينةِ رحلُهُ * فإنّي وقيّارٌ بها لغريبُ
حيث رفع (قيّار) لمناسبة الواو قبلها، رغم عطفه على اسم (أنّ) أي ياء المتكلم التي لا يظهر النصب فيها.
كما رجّح النَصب على الأصل في آيةٍ أُخرى نظيرتها أيضاً لمناسبة الجِوار، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ…﴾[10] لمُناسبة الياء في (النصارى).
(5) يجوز في (إنَّ) دون أخواتها أن لا تعمل، قال ابن قتيبة: جواز الرفع في مِثل ذلك إنّما كان لأجل عدم تغيير في مفهوم الابتدائيّة سواء قبل دخول (إنّ) أو بعده، حيث إنّها تزيد معنى التحقيق ولا تزيد معنى آخر سِوى ما كانت الجملة تفيده ذاتاً، ومِن ثَمّ لا يجوز ذلك في المعطوف على اسم (لعلّ) أو (ليتَ) لزيادة معنى الترجّي أو التمنّي في مفهوم الكلام[11].
[1]. الطور:29-30.
[2]. یونس:2.
[3]. سبأ:28.
[4]. الشورى:17.
[5]. الأعراف:56.
[6]. ق:31-32.
[7]. لسان العرب (3/107).
[8]. المائدة:69.
[9]. مجمع البيان، ج3، ص224.
[10]. البقرة:62.
[11]. تأويل مشكل القرآن، ص52.
