الجلسة الثامنة
[8]
ثانياً. التدرّج في التحدّي: نقصد بالتدرّج تقليل المصالبات عند التحدّی، مثلاً تتحدّى أحداً فتطالبه أن يرفع ثقلاً كبيراً، فإذا لم يستطع خفّفت الثقل بعض الشيء ثم طالبته ثانيةً برفعه.
- كيفية التدرج:
(الإتيان بكامل القرآن): حيث ورد التحدّي بالإتيان بمثل القرآن ممّا يتراءى منه الاتيان بكامله في سورة الاسراء وهي مكية بقوله تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)[1].
(الإتيان بعشر سور): ثم بالاتيان بعشر سور مثله كما في سورة هود قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[2].
(الإتيان بسورة واحدة): ثم بسورة واحدة كما في سورة يونس (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[3].
- سبب التدرّج:
(المماثلة في الفصاحة لا الحجم): ولعل المراد بالآية الاولى المماثلة في الفصاحة وغيرها من المميزات لا المماثلة في الحجم فلو استطاع أحد ان يأتي بسورة مثل سور القران كان نقضا للتحدي.
(التنزّل): ولكن التحدي بالعشر ثم بسورة واحدة يبدو أنّه من باب التنزل بمعنى انهم لم يتمكنوا من الاتيان بالعشر فتنزل التحدي الى سورة واحدة ولكن المعروف ان سورة هود بعد سورة يونس في ترتيب النزول.
(التحدّي بمطلق الكلام): ومهما كان فالظاهر ان الغرض هو التحدّي بمطلق الكلام الذي يشبه القرآن لا خصوص عدد العشر او السورة فان السورة كما تنطبق على البقرة وآل عمران تنطبق على الكوثر والنصر فالعدد والمقدار ليسا داخلين في الغرض.
ثالثاً. التحدّي بالرسول:
- مورد التحدي: هناك وجه آخر من التحدّي وهو بلحاظ أن تكون السورة من إنشاء رجل امّيّ كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لم يقرأ قبل ذلك كتابا ولم يكتب خطّا، وعليه يكون الضمير في سورة البقرة آية23 في قوله (من مثله) يعود الى قوله (عبدنا) أي الرسول، فيكون المعنى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا محمد فأتوا بسورة من مثل محمد).
- مآخذ على هذا الكلام:
(لا يمنع الاتيان بمثل القرآن): بناءً على هذا الاحتمال تبقى السورة المطلوبة في التحدّي نكرة تنطبق على أيّ مجموعة من الكلام يمكن إطلاق السورة عليها، حيث إن التحدّي بأن يكون المنشئ له اميّا فحسب ولا شك في إمكان ذلك، وانما التحدّي بأن تكون السورة مثل القرآن في الفصاحة وغيرها.
(التحدي للجميع لا مجرد الأميين): مضافا الى أن قوله تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ).[4] يتحدّى الجن والانس لا خصوص من كان اميا كما أنه يصرّح بأن التحدّي انما هو بمثل القرآن لا كونه من مثل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
(التحدّي بالقرآن لا بالرسول): الضمير في قوله (من مثله) يعود الى قوله (ما نزلنا) اي القرآن، لأن التحدّي هو أن تكون السورة مثل القرآن في الفصاحة وغيرها. وكذلك قوله (عشر سور مثله مفتريات) في سورة هود وقوله (سورة مثله) في سورة يونس يدلان على ان التحدي بمثل القران فكل هذه قرائن على أنّ الضمير هنا يعود الى القرآن، وعليه فمفاد هذه الآية اثبات أن القرآن بذاته معجز لا من جهة كون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اميا.
- ليس هذا تحدياً: بل يهدف الى رفع اتهام الرسول بجعل القرآن من نفسه:
(لو لم يكن أمياً لارتاب الناس): يقول تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)[5] اي لو كنت قبل نزول الوحي تكتب وتقرأ لارتاب المبطلون وهم المناوئون للرسالة المجيدة فكانوا يقولون ان ما يأتي به انما هو مما تعلمه من العلماء او قرأه في الكتب.
(لم يظهر علم من الرسول قبل القرآن): يقول تعالى (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[6] اي لو شاء الله تعالى ان لا ينزّل عليّ هذا الكتاب ما كان لي ان اتلوه عليكم من عندي وما كان لكم طريق الى الوصول اليه لأني كنت فيكم اربعين سنة قبل نزول الوحي ولم تسمعوا مني شعرا ولا خطابة ولم أقرأ كتابا، والنبوغ إذا لم يظهر الى الاربعين فانه لن يظهر فيما بعد.
(لا يوجد من يأخذ منه الرسول): مع ان هذا الاتهام ايضا كان واضح البطلان اذ لم يوجد في ذلك العصر ولا في اي زمان ومكان ما يمكن ان يستقي منه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كل هذه المعلومات، فلم يصدر منه بيان ولا دون قانونا ولا نقل حديثا عن الامم السالفة ولا اوضح سيرة الانبياء السابقين ولا نزّههم عما لفّق حولهم من اكاذيب الكتب الموضوعة الى غير ذلك من العلم الذي جاء به القران الكريم على يد هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.
رابعاً. عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن:
- عجز العرب أمام التحدي: إنّ تحليل التاريخ يكشف لنا عجز العرب أمام تحدّي الرسول الأكرم:
(تحدي الفصحاء) وذلك أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قد بقي مدّة عشرين سنة يطالب العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، مسفّهاً آراءهم وأديانهم، وهم أهل البلاغة والفصاحة، وفيهم أساطينها وأركانها، ومنهم الخطباء الحاذقون والشعراء المُفْلقون.
(سكوت الفصحاء أمامه) ولكنهم مع ذلك لم ينبسوا ببنت شفة، ولم يجرؤ أحد منهم على إبداع كلام يعارض فيه القرآن، فلم يكن لهم سبيل الى مواجهته إلا الحرب، وهذا شأن الضعيف الذي لا سبيل له الى رد التحدي وصد المتحدي إلا أن يسفك دمه إن استطاع.
(وما أفادت الحمية) وكما أن الحمية العربية كانت تتأجج في قلوبهم إذا ما هاجمهم آخرون ليذلوهم قتلا ونهباً، فيحملون السلاح دفاعاً عن عرضهم وكرامتهم، فإنهم اذا تحداهم أحدٌ بشعرٍ او خطبةٍ أخذتهم الأنفة فعارضوه بقصائدهم وخطبهم خصوصاً إذا كان المتحدي بين ظهرانيهم، يقابلهم بوجهه ويطالبهم أن يتعاونوا جميعاً ليأتوا بمثل أتى به، [قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا] (الإسراء:88)، فسكوتهم واستسلامهم يدل دلالةً واضحةً أكيدة على عجزهم وخذلانهم.
- دَفْعُ تَوَهّم: ربما يتصور الغافل أنّ البلغاء المعاصرين لرسول الله، قد عارضوه بكتاب أو سور مثل كتابه وسوره، ولكنه اختفى أثره في شعاع ضوء قدرة الإسلام والمسلمين وسلطانهم على الجزيرة وخارجها:
(الجواب: لو كان لبان) إنّه رجمٌ بالغيب وتصوّر باطل لا تصدقه الموازين التاريخية والعلمية، إذ لو كانت ثمة معارضة ومقابلة، لما اختفى على العرب المعاصرين ولا على غيرهم. كيف، وإن الإتيان بمثل معجزته، يسجل للمعارض خلود الذكر وسموّ الشرف، بل لَسَعى أعداء الإسلام في نشره بين المعتنقين لدينه وغيرهم، لأنّهم يجدون فيه بغيتهم.
(جواب السيد الخوئي) يقول آية الله الخوئي: إنّ هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها، وشَهَرتها في مواسمها وأسواقها، وَلأَخذ منه أعداء الإسلام نشيداً يوقعونه في كل مجلس، وذكراً يرددونه في كل مناسبة، وعَلَّمَه السلف للخلف، وتحفّظوا عليه تحفّظ المدعي على حجّته، وكان ذلك أقرّ لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف. كيف، وأشعار الجاهلية ملأت كتب التاريخ وجوامع الأدب، مع أنا لا نرى أثراً لهذه المعارضة. (البيان في تفسير القرآن، ص 52)
(تفاهة مَن حاول الرد) وممّا يدلّ على عدم وجود هذه المعارضة اللائقة بالذكر، ما ضبطه التاريخ من كلام مسيلمة الكذاب وغيره ممّن ادعوا النبوة وأرادوا أن يخدعوا بسطاء العقول، فجاءوا بجمل تافهة ساقطة، لا يقام لها وزن ولا قيمة، وسنذكر ذلك لاحقاً.
(سكوت العرب غير المسلمين) وقد تحدّى القرآن جميع الناس سلفاً وخلفاً، وهناك اليوم من العرب غير المسلمين من تؤيدهم القُوَى العظمى في العالم، فلو كانت المعارضة ممكنةً لقام هؤلاء بها ليحطواّ من شأن هذا الكتاب والنبّي العظيم الذي أتى به، وزعزعوا بذلك إيمان المسلمين، ولكن لا نرى من هذا الأمر أثراً.
خامساً. محاولات رد التحدي: ذكر التاريخ محاولات بائسةً ويائسة في رد تحدي القرآن نذكر بعضها:
- مسيلمة الكذاب:
(رواية ابن هشام) كتب مسيلمة بن حبيب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مِنْ مُسَيْلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك. أمّا بعد، فإنّي قد أُشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون”.
فلما جاء الكتاب، كتب رسول الله إلى مسيلمة: “بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، السلام على من اتّبع الهُدى. أمّا بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمُتَّقين”. وذلك في آخر سنة عشر[7].
(رواية الطبري) إنّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله مع مسيلمة، فلما رجعوا وانتهوا إلى اليمامة، ارتدّ مسيلمة وتنبّأ وتكذّب له، وقال: “إنّي قد أُشركت في الأمر معه”. ثم جعل يسجع السجاعات ويقول لهم فيما يقول، مضاهاةً للقرآن[8].
(بعض محاولاته) وظن المسكين أن قوة القرآن في السجع فقط، فقال أمثال هذه الجملة التافهة:
“الفيل، ما الفيل، وما أدراك ما الفيل له ذنب وبيل، وخرطوم طويل”.
“يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدِّرين، ولا الشارب تمنعين”.
وعلى هذا الغرار سائر كلماته المنسوبة إليه. وكلها تعرب عن جهل وحماقة فيه. ولذلك، لما ذهب الأحنف بن قيس مع عمّه إلى مسيلمة، وخرجا من عنده، وقال الأحنف لعمّه. “كيف رأيته؟”، قال: “ليس بمتنبيء صادق، ولا بكذّاب حاذق”[9].
- سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية:
كانت قبيلتها بنو تغلب نصرانية، فلما ادعت سجاح النبوة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله استجاب لها بعض قومها. ولم تَدّع قرآناً، وإنّما كانت تزعم أنّه يوحى إليها بما تأمر، وإليك بعض ما زعمت أنه وحي: (إنّه الوحي، أعدّوا الركاب، واستعدوا للنّهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب). فتوجه مسيلمة الى قتالها، فجهّزت أتباعها بهذا المقال: (عليكم باليمامة، ودفّوا دفيف الحمامة، فإنّها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة). فلم يحاربها مسيلمة بل عرض عليها الزواج فرضيت. ويروي التاريخ أنّها أسلمت بعد مقتل مسيلمة وحَسُن إسلامها[10]. وليس في وحيها المزعوم شيءٌ سوى السجع.
- الأسود العنسي:
كان رجلاً فصيحاً معروفاً بالكهانة، والسجع، والخطابة، والشعر، والنسب، تنبّأ على عهد النبي وخرج باليمن وحاول أن يباري القرآن بتسجيع الكلم فقط، فكان مما قال: “سبّح اسم ربّك الأعلى، الّذي يسّر على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، من بين أضلاع وحشى، فمنهم من يموت ويدسّ في الثرى، ومنهم من يعيش ويبقى”. بدأ بآيةٍ قرآنية وأضاف كلاماً مستهجناً يُخزي المتكلّم ويُضحك السامع.
هكذا حاول مَن أراد أن يتصدى للقرآن في عهد الرسالة المبكّرة، وهم من سفلة القوم اغتروا بسجعهم فظنوا أن به الفلج كله، وأما البلغاء العقلاء ممن مارسوا الأدب بما يحتويه من فكرٍ عميق وسلاسةٍ وجمال، فيستسيغه العقل السليم ويرتاح اليه القلب المستقيم، فلم يخوضوا غمار القرآن ولا اقتربوا منه، فهم بين ساكت لم ينبس ببنت شفه ومتحدثٍ أطرى في مديح القرآن.
[1] الاسراء: 88.
[2] هود: 13 – 14.
[3] يونس: 38.
[4] الاسراء: 88.
[5] العنکبوت: 48.
[6] يونس: 16.
[7] السيرة النبوية لابن هشام، ج 2، ص 600. وتاريخ الطبري، ج 2، ص 399.
[8] تاريخ الطبري، ج 2، ص 394.
[9] لاحظ ما نسب إليه في تاريخ الطبري، ج 2، ص 498-499، وص 506.
[10] تاريخ الطبري، ج 2، ص 496 -500.
