الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (آل عمران: 191)

محاضرات ❯ اعجاز القرآن الكريم ❯ الجلسة السابعة

الجلسة السابعة

0:00 / --:--
icon
icon تحميل هذا الصوت

[7]

تاسعاً. كيفية الإعجاز بالبلاغة:

  1. قوام البلاغة أمران: ان البلاغة تتوقف على امرين: الاول إدراك المعنى او خلقه، والثاني اختيار التعبير بحيث يؤثر تأثيرا بليغا في السامع.
  2. بلاغة الشاعر والأديب: والشاعر انما امتاز بشعره لأنه يملك الامرين:

(الأمر الأول) شعور الشاعر: فله شعور خاص مرهف يشعر به امورا دقيقة بدقة الشَعر او يخلق في ذهنه معاني دقيقة.

(الأمر الثاني) اختيار التعبير: ثم يختار من الالفاظ ما يؤثر تأثيرا بليغا في السامع فلا يأتي بالمعنى ضمن لفظ واضح، موضوع له لغةً، بل يختار تركيبا خاصا من الالفاظ، ولا يختلق اللفظ وانما يختلق التركيب وهنا يحصل الاختلاف، ونجد من الشعراء والادباء من يصل الى القمة ومنهم المتوسطون ومنهم من هو في الحضيض.

  1. بلاغة القرآن: تقوم بلاغة القرآن على نفس الأمرين:

(الأمر الأول) الله العالم بالحقائق: ان الله تعالى يعلم حقائق الامور على ما هي عليه، ونحن إذا أردنا ان نخبر عن حقيقة فقد نصوّرها أكبر مما هي عليه او أصغر، لأننا لا نحيط بالحقائق ولا نعرفها تمام المعرفة حتى اننا لا نعرف أنفسنا تمام المعرفة فكيف بغيرنا.

(الأمر الثاني) الله العالم بالتعبير الأبلغ: ومن جهة اخرى فانه تعالى يعلم ما هو الأبلغ في التأثير على نفوس السامعين من انحاء التعبير، فيأتي به لأنه خالق هذه النفوس والعارف بكل اسرارها، ولذلك كان القرآن بالغا حد الاعجاز في التعبير بمعنى أنه بلغ في البلاغة وقوة التأثير في الانسان حدّا لا يمكن لأيّ بشر أن يأتي بمثله، وهذا هو الذي أثبته تحدّي القرآن لفصحاء العرب وبُلغائهم طيلة التاريخ ولم يتمكن أحد من الاتيان بقطعة أدبية تُجاري القرآن وتبلغ شأوه.

  1. سر الإعجاز البلاغي للقرآن:

ليس الإعجاز من جهة أن القرآن في أعلى مراتب البلاغة، حتى يقال انه لو لم ينزل القرآن لكان هناك غيره من الخطب او الاشعار ما هو في أعلى مراتب البلاغة بحيث يغلب من دونه فيعجزون من الاتيان بمثله، بل يأتي إعجاز القرآن من جهة انه لم يتمكن أحد حتى الآن ومع كل هذا التحدي ان يأتي بما يقاربه في التأثير في الانسان ببلاغته وبأسلوبه، فالفاصل بينه وبين أعلى مراتب البلاغة من سائر الكلام بعد شاسع لا يدركه أحد من البشر، فيدل ذلك على أنه لا يمكن أن يكون من صنع انسان مهما كان شأنه.

  1. من مظاهر بلاغته: إنه آية في بلاغته وفي ايجازه وفي تفصيله وفي سبكه واسلوبه الفريد الذي يأخذ بمجامع القلوب، حيث لا يوجد له مثيل في كلام العرب وغيرهم، لا هو شعر ولا هو نثر، وهو آية في انتخاب الكلمات، وفي موسيقى الالفاظ، وفي كل جهة من محسنات الكلام.

 

عاشراً. شبهتان حول الإعجاز البلاغي: اثيرت شبهتان في امكان كون البيان والتعبير معجزا في حد ذاته:

  1. الشبهة الاولى: أن التعبير مصنوع للبشر، فالإنسان هو واضع الالفاظ للدلالة على المعاني، وهو الواضع للتراكيب الكلامية لتدل على مقاصد خاصة، وهو الواضع للتشبيهات والاستعارات وطرق التجوز باللفظ ليتجاوز منها بطريقة لطيفة عن المعاني الاولية الى مقاصد اخرى غير مدلولة للّفظ بالوضع الحقيقي، وهو الواضع لكل المحسنات البديعية، وهو المبتكر للشعر والنثر والانحاء المختلفة منها، فالتعبير المعجز لا يخرج عن هذه المجموعة، ويدخل ضمن مبتكرات الانسان، فكيف يمكن ان يكون معجزا له؟

الجواب (الانسان وضع الألفاظ لا التركيب): ان المصنوع للإنسان هو وضع الالفاظ للمعاني، واما تركيبها للدلالة على معنى مركب فهو يتبع ذوق الانسان، فكل واحد منهم يحاول تفهيم المعنى المراد بواسطة مجموعة من الالفاظ وتركيبها، ومن الواضح تماماً اختلاف الناس في تركيب الكلمات وانشاء الجمل، وإحداث أنحاء من التشبيه والتجوز والاستعارة والاتيان بأنحاء من المحسنات البديعية، فاذا صح ذلك فلا مانع من ان يكون هناك تركيب خاص لا يستطيع أحد ان يأتي بمثله ويجاريه.

 

  1. الثانية (خلط المعجز وغيره بالقرآن): أنه لو فرض وجود تعبير معجز من بين مجموع التراكيب الكلامية المعبرة عن معنى واحد كما هو اساس القول بالإعجاز، فالقرآن حيث يأتي بمعنى واحد ضمن تراكيب متعددة فان واحدة منها تكون بالغة حد الاعجاز وليس كلها، ونحن نجد ان القرآن ينقل قصص الاقدمين من الامم وقصص الرسل سلام الله عليهم بصور مختلفة، فيكون المعجز احدى هذه الصور لا كلها، والنتيجة ان القران يشتمل على المعجز وغيره فلا يستحيل على الناس الاتيان بمثل بعض القران.

الجواب: هذه الشبهة ضعفها واضح، وذلك لأنها مبتنية على دعوى ان من بين التراكيب الكلامية تركيب واحد خارق للقدرة البشرية، وهذه الدعوى باطلة بل يمكن ان تكون هناك عدة تراكيب يعجز الانسان ان يأتي بما يماثلها فاذا فرض قبول أصل الموضوع اي وجود تركيب كلامي معجز فلا مانع من تعدده.

 

الحادي عشر. القول بالصرف:

  1. سبب القول بالصرف: وبسبب هاتين الشبهتين وغيرهما مما يذكر او لا يذكر من وجوه الاستبعاد في ان يكون نوع من التعبير معجزا في حد ذاته، ذهب جمع من العلماء قديما منهم الشريف المرتضى قدس سره الى القول بالصرف.
  2. معنى الصرف: ومعناه ان الموجب لعدم تمكن الناس من مواجهة هذا التحدي ليس هو استحالته في حد ذاته، بل السبب ان الله تعالى يصرف ارادة من اراد المحاولة فيتكاسل او يظهر العجز لعدم انقداح الارادة في ذهنه رغما عليه.
  3. أين الإعجاز فيه: فالإعجاز من جهة الارادة الالهية القاهرة، وليس من جهة ضعف الانسان واقعاً او استحالة الاتيان بالمثل في حد ذاته، وربما لا يشعر الانسان بسلب الارادة بل لا يوفق الى محاولة التحدي لعدم ملاءمة الظروف وكل ذلك من الله تعالى.

جواب القول بالصرف:

  1. ليس القرآن آية اذن: بناءً على القول بالصرف فالقرآن ليس آية من آيات الله تعالى ولا معجزة تثبت الرسالة لان الاعجاز انما هو بالصرف لا بالقرآن بذاته، والقرآن يصرح في آيات عديدة بأنه آية كافية لإثبات الرسالة، قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ..)[1] وقال ايضا (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى)[2].
  2. لا يشعر أحد أن الصرف آية: بل الصرف بنفسه ليس آية لأنه لا يشعر به أحد، وانما يشعر المخاطبون بأنهم لا يمكنهم الاتيان بمثل هذا الكتاب لمانع خارجي او لا يوفقون له، لا انه بمرحلة من العلم والبلاغة بحيث لا يمكن الاتيان بمثله، والناس في عصر موسى عليه السلام ايضا كانوا يعلمون انهم لا يقدرون ان يأتوا بمثل ما أتى به السحرة، ولكن لا يدل ذلك على انه معجز.

 

التحدّي

 

أولاً. ما هو التحدّي:

  1. مطالبة الإتيان بالمثل: يتحدّى القرآن كل من يزعم انه يستطيع ان يأتي بمثله، وذلك بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[3] كما قال تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[4].
  2. وجه التحدّي: ان هذه الدعوى اي كون القرآن من صنع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو صح لأمكن لغيره اذا كان مماثلا له في الثقافة والعلم والبيان أن يأتي بمثله، وكان في المجتمع العربي كثير ممن يدعي انه مثل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل اعلى منه، وكانوا في الفصاحة والبلاغة في اعلى المراتب كما هو واضح من اشعارهم فلا بد من تمكنهم من الاتيان بسورة على الاقل تماثل السور القرآنية في الفصاحة والبلاغة، وان لم يتمكنوا من مجاراته في قوة المنطق والمعرفة الالهية الواضحة والاشتمال على الاخبار الغيبية والقوانين التشريعية القوية والمتماسكة والثقافة الدينية المتكاملة وغير ذلك مما يمتاز به هذا الكتاب العظيم مما لم ينته الكشف عنها ولن ينتهي أبدا.

[1] العنكبوت: 50 – 51.

[2] طه: 133.

[3] البقرة: 23.

[4] الانفال: 31.

icon