الجلسة الحادية عشرة
[11]
القرآن کلام الله
اولاً. ادعاء باطل ضد القرآن:
- يقولون ان القرآن ليس كلام الله: يقال أن الله تعالى أوحي الى النبي بالمعاني على قلبه وأنّ اللفظ منه صلى الله عليه وآله وسلم، أي أن القرآن من تأليف النبي. فكلّ مَن يدّعي مثل هذا الادعاء يعتبر نفسه مسلماً، لأنه يعتقد بنزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وآله.
- هذا الادعاء حديث: ظهر مثل هؤلاء المُدّعين في زمننا هذا، ويصدر هذا النوع من الادعاء من أناسٍ ليست لديهم تخصصات تتعلق بالدين مثل الفقه والعلوم القرآنية، ولكن تخصصاتهم قريبة منه مثل علم الاجتماع او التاریخ وامثال ذلك.
- لا دلیل على هذا الادعاء: هذا مجرد ادعاءٍ لم يقيموا عليه أي دليل، ولعل سبب هذا التفکير هو أن عامة الناس اليوم حتی العرب ليس لديهم ذلك الشعور العمیق ببلاغة القرآن الخارقة للعادة، ولذا تشجع هؤلاء الأشخاص على مثل هذا الادعاء.
ثانياً. قيمة هذا الادعاء:
- لا يغيّر من اعجاز القرآن شيئاً: لو فرضنا صحة الادعاء فإن الإعجاز البلاغي للقرآن يبقى في محله، لأنه لم يقدر أحدٌ أن يردّ على تحدی القرآن، وسبق أن قلنا بأن العرب الجاهليين رغم كل تلك القوة البلاغية لديهم استسلموا امام القرآن وحسبوه فوق مقدرة الانسان، فلم يحاولوا مقابلته أبداً، وأما الزنادقة في عصر الإسلام فرغم اغترارهم بالمقدرة الأدبية الهائلة لديهم ومحاولتهم رد تحدی القرآن، إلا أنهم في نهاية الأمر اعترفوا بالهزيمة أمامه.
- في صدر الإسلام لم يدّع أحدٌ مثل هذا: في زمن النبي او بعده بقليل كان الناس نوعان، إما أن يكذّب رسول الله وينکر نزول الوحي عليه، او يؤمن به ويشهد أن القرآن كلام الله، لأنهم يفهمون أن مثل هذه البلاغة لا يمكن صدورها من انسان، لذا لم يدع أحد مثل هذا الثنائي، أن تكون المعارف من الله والألفاظ من رسوله.
- لعل التوراة والإنجیل من هذا القبيل: هذا الاحتمال وارد بكل جد عن التوراة والإنجیل، والظاهر عدم وجود أي دلیل على أن الفاظ هذين الکتابين السماويين من الله تعالى، والبلاغة غير واردةٍ فيهما أبداً ولذا لا يهتم أحد بهذا الموضوع، وقد يكون الأمر كذلك في الواقع، أي أن يكون الكتابان من تعبير الأنبياء، ولعل هذا الأمر هو الذي اوجد نفس الاحتمال لدى البعض بالنسبة للقرآن أيضاً.
- النبي والأئمة لم يذكروا مثل ذلك أبداً: لم يرو اهل السنة عن النبي صلی الله علیه وآله، ولم يرو الشیعة عن النبي أو عن آله علیهم السلام أي حديثٍ يؤيد مثل هذا الادعاء، مع ان أبسط المسائل كانوا يُسألون عنه فيجيبون ويصل الينا خبره. فإذا كان مثل هذا الأمر الهام واقعياً لذكرته الکتب الروائية لجميع المسلمین مراتٍ ومرات، ولتم النقاش فيه بين العلماء والمحدثين، ولألفوا فيه كتباً عديدة.
- هل تُعدّ المعجزات من مؤهلات الأنبياء: يبدو أن بعض المعجزات كانت من المؤهلات الخاصة التي ألهم الله تعالى بعض أنبيائه بها، فلم يكن دور النبي مجرد رفع يديه بالدعاء ليستجيب الله له وتحدث المعجزة، كما أنه تعالى وهبنا المقدرة على المشي والكلام وما الى ذلك، فنحن نمشي ونتحدث بأنفسنا وإن كان كل ذلك بإذن الله تعالى، واليك مثالان من المواهب الخاصة للأنبياء:
* يقول عيسى عليه السلام ﴿..أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ..﴾[1]، لاحظ أنه عليه السلام قال انه يؤدي العمل بنفسه، ولكن بإذن الله.
* ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾[2]، لو لم يك لموسی علیه السلام دور في هذه القضية فلماذا أمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، هذا يدل على أن الله قد جعل مقدرةً خاصةً في تلك العصا لم يجعلها في أي عصا أخرى، وبذلك ميّز موسی عليه السلام عن غيره.
- ليس القرآن من تأليف رسول الله: يدل القرآن بنفسه أن الفاظه ليست من النبي صلی الله علیه وآله، بل إنه نزل بألفاظه على النبي وحياً، واليك الدليل في ما يلي.
ثالثاً. آيات تدل على نزول القرآن بألفاظه لا مجرد معانيه:
- نزول القرآن عربياً: هناك آيات تصف القرآن المنزل بأنه عربيّ، ولا شكّ في أنّ العربيّة صفة اللفظ لا المعنى كقوله تعالى:
* ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[3].
* ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾[4].
- لو كان بلغة غير عربية لاعترض الناس: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ..﴾، أي أننا لو أنزلنا القرآن بلغةٍ غير عربية لاستغرب العرب وهم أول مَن تُلي القرآن عليهم، ولتساءلوا كيف ينزل قرآن أعجمي على رجلٍ عربي.
- نزوله لكي يُتلى: ومن الآيات ما ورد فيها التعبير بالتلاوة بالنسبة لما انزل من الله تعالى والتلاوة تختص بالألفاظ ايضا لا المعاني وهي آيات كثيرة منها قوله تعالى:
* ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[5].
* ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾[6].
- انه لسان عربي: الآية التالية ورد فيها التعبير باللسان: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)[7]، وإنّ اللسان لا يعبّر به الا عن الالفاظ، وهذه الآية كالصريحة في أن التحدي بالقرآن انما هو بألفاظها.
قال الشيخ الطوسي قدس سره في التبيان في تفسير الآية: (قال ابن عباس الذي مالوا اليه بأنه يعلم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وكان اعجمياً هو بلعام وكان قيناً بمكة روميّاً نصرانياً. وقال الضحاك: أرادوا به سلمان الفارسي وقال قوم أرادوا به إنساناً يقال له عايش او يعيش كان مولى لحويطب بن عبد العزى أسلم وحسن إسلامه).
ومهما كان فظاهر الآية انهم كانوا يتهمون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يأخذ القرآن من شخص آخر وليس وحيا من السماء والآية ترد عليهم بان هذا الشخص ليس عربيا وهذا لسان عربي فلا يمكن ان يكون منه.
وهذا يدل على ان الاحتجاج بنص القرآن من حيث البيان العربي ولو كان من حيث المضمون لامكن ان يقال لا مانع من إلقاء الرجل معارفه بلغته ويكون التعبير من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
- آیات تخاطب الرسول: لو كانت ألفاظ القرآن من النبي فلماذا يخاطب النبي في آيات كثيرة ويأمره، مثلاٍ يقول: “قل”، وهناك خمس سور تبدأ بكلمة “قل”، وهي سور الجن، والکافرون، والإخلاص، والفلق، والناس، وهناك آيات كثيرة أيبضاً تبدأ بكلمة “قل”، مثل:
* وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة:80).
* قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة:94).
* او تقول: “یا ایها الرسول”، مثل هذه الآية: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة:67).
[1] آل عمران:49.
[2] شعراء: 63.
[3] يوسف: 2.
[4] طه: 113.
[5] عنكبوت: 51.
[6] مریم: 73.
[7] النحل: 103.
