الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (آل عمران: 191)

محاضرات ❯ اعجاز القرآن الكريم ❯ الجلسة السادسة

الجلسة السادسة

0:00 / --:--
icon
icon تحميل هذا الصوت

[6]

  1. آيات نزلت في وليد بن مغيرة:

(الآية الأولى) الميزان ج18، ص106، في تفسير قوله تعالى “وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ”: وفي الاحتجاج عن العسكري عن أبيه عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبد الله بن امية المخزومي: لو أراد الله أن يبعث الينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا وأحسنه حالا فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا، على رجل من القريتين عظيم: إما الوليد بن المغيرة بمكة وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

أدرك الوليد بن المغيرة بعثة الرسول ولم يسلم، بل قال مستنكراً عدم نزول الدعوة عليه هو، وهو كبير قريش: “أينزل على محمد وأترك، وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، فنحن عظيما القريتين”، فأنزل الله فيه: “وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ”. (الزخرف:31) [الموسوعة العربية: الوليد بن المغيرة المخزومي]

 

(الآية الثانية) الميزان ج20، ص85، قوله تعالى: “ذرني ومن خلقت وحيدا” كلمة تهديد وقد استفاض النقل أن الآية وما يتلوها إلى تمام عشرين آية نزلت في الوليد بن المغيرة.

الميزان ج20، ص92، في قوله تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآَيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. (المدثر:11-30):

في تفسير القمي في قوله تعالى: “فإذا نقر في الناقور – إلى قوله – وحيدا” فإنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان شيخا كبيرا مجربا من دهاة العرب، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقعد في الحجر ويقرء القرآن، فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة فقالوا: يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد؟ أشعر هو أم كهانة أم خَطْب؟ فقال دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد أنشدني من شعرك، قال: ما هو شعر ولكنه كلام الله الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ورسله، فقال: اتل علي منه شيئا! فقرء عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “حم السجدة” فلما بلغ قوله: “فإن اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود” قال: فاقشعر الوليد وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته، ومر إلى بيته ولم يرجع إلى قريش من ذلك. فمشوا إلى أبي جهل فقالوا: “يا أبا الحكم إن أبا عبد شمس صبا إلى دين محمد أما تراه لم يرجع إلينا”، فغدا أبو جهل الي الوليد فقال: “يا عم نكست رؤوسنا وفضحتنا واشمت بنا عدونا وصبوت إلى دين محمد”، فقال: “ما صبوت إلى دينه ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود”، فقال له أبو جهل: “أخطب هو؟” قال: “لا، إن الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور ولا يشبه بعضه بعضا”. قال: افشعر هو؟ قال: “لا، اما إني لقد سمعت اشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها وما هو بشعر”. قال: فما هو؟ قال: “دعني افكر فيه”. فلما كان من الغد قالوا له: “يا ابا عبد شمس ما تقول فيما قلناه؟ قال: قولوا: هو سحر، فانه آخذ بقلوب الناس، فأنزل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك: “ذرني ومن خلقت وحيدا”. وإنما سمي وحيدا لانه قال لقريش: أنا أتوحد لكسوة البيت سنة وعليكم في جماعتكم سنة، وكان له مال كثير وحدائق.

النتیجة: يلاحظ أن الولید مع كل معرفته بالأدب والشعر لم يكن بمقدوره أن يصنف القرآن تحت ايٍّ من صنوف الأدب العربي، وقد أخذ القرآن منه مأخذاً جعله لا يستطيع تفسیر تلك الجاذبية غیر الطبیعية له الا بالسحر.

 

(الآية الثالثة) الميزان ج12، ص197، في تفسير قوله تعالى “إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ” (الحجر:95): وفي تفسير العياشي عن ابان بن عثمان الاحمر رفعه قال كان المستهزئون خمسة من قريش الوليد بن المغيرة المخزومى والعاص بن وائل السهمى والحارث بن حنظلة والاسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري والاسود بن المطلب بن اسد، فلما قال الله: “إنا كفيناك المستهزئين” علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قد اخزاهم فأماتهم الله بشر ميتات. ورواه الصدوق في المعاني باسناده عن ابان وروى فيه ايضا والطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه عن على عليه السلام ما في هذا المعنى، وهو حديث طويل فيه تفصيل هلاك كل من هؤلاء الخمسة.

 

(الآية الرابعة) الميزان ج20، ص375، قوله تعالى “قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون” (الكافرون:1-2): في الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الانباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والاسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ولنشترك نحن وانت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي انت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا، فأنزل الله “قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون” حتى انقضت السورة. اقول: وروى الشيخ في الأمالي بإسناده عن ميناء عن غير واحد من اصحابه قريبا منه.

 

  1. شهادة وليد بن مغيرة بأن القرآن ليس كلام البشر:

(الشهادة الأولى) الميزان ج20، ص93، في قوله تعالى “ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا” الى قوله “عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ”. (المدثر:11-30): وفي الدر المنثور أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجعلوا لك مالا ليعطوه لك فانك أتيت محمدا لتصيب مما عنده. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال: دعني حتى أفكر فلما فكر قال ما هو إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت: “ذرني ومن خلقت وحيدا”. وفي المجمع روى العياشي بإسناده عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام أن الوحيد ولد الزنا.

 

(الشهادة الثانية) الميزان ج12، ص349، في تفسير قوله تعالى “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” (النحل:90): وفي المجمع وجاءت الرواية ان عثمان بن مظعون قال: كنت اسلمت استحياء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكثرة ما كان يعرض عليّ الاسلام ولم يقر الاسلام في قلبي، فكنت ذات يوم عنده حال تأمله فشخص بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا، فلما سرى عنه سألته عن حاله فقال: نعم بينا انا احدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية: “ان الله يأمر بالعدل والاحسان” فقرأها عليّ إلى آخرها فقر الاسلام في قلبى. واتيت عمه ابا طالب فاخبرته فقال: “يا آل قريش اتبعوا محمدا ترشدوا فانه لا يأمركم الا بمكارم الاخلاق”، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الاية فقال: “ان كان محمد قاله فنعم ما قال، وان قاله ربه فنعم ما قال”. قال فانزل الله: “أفرأيت الذى تولى واعطى قليلا واكدى” الحديث.

 

(الشهادة الثالثة) الوليد بن المغيرة المخزومي بعد أن سمع القرآن لأوّل مرّة على أفواه المسلمين أعجبه فقال على ملأ من قريش: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعرٍ ولا بسحرٍ ولا بهذي جنون، وإنّ قوله لمن كلام الله. [تفسير الطبري: ج29، ص98]

(هناك احتمالات مختلفة لتسمية المشركين رسول الله بابن ابي كبشة لا ضرورة الى ذكرها، والرسول صلّى الله عليه وآله أعظم وأكرم من أن يُعيّر بهذه الألقاب).

 

ثامناً. الفرق بين القرآن والشعر:

  1. أعذب الشعر أكذبه: المعروف عن الشعر ان احلاه اكذبه، ونحن نجد ان الشعراء انما يتقنون وجوه الكلام إذا ارادوا توصيف الطبيعة او الصفات الانسانية المثيرة مثل الشجاعة والجمال والمرأة، ونحو ذلك مما يتوسع فيه الخيال، ولا يقولون الا ما يوحي إليهم وهمهم وتصورهم، وهذا هو الفن.
  2. ضعف الشعر في قول الحق: اما إذا أراد الشعراء توصيف حقيقة من حقائق الكون على ما هي عليه من دون زيادة او نقيصة خصوصا إذا كان من الغيب فانهم لا يستطيعون توسعا، ولا يأتون بالمحسنات من الكلام والبديع من الشعر، حتى ان شعراء المسلمين كانوا يقدّمون على قصائدهم في مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واهل البيت عليهم السلام من اكاذيبهم في الغزل فيأتون بالعجائب وإذا ما انتقلوا الى المديح بما هو حق من صفاتهم عليهم السلام خارت قواهم وتوقفت اذواقهم.

ولذلك لا تجد في الشعر العربي في العصر الاسلامي ما تجده من الحلاوة في الشعر الجاهلي لان الجاهلي ما كان يتقي الكذب ولا المبالغة.

  1. قوة القرآن مع قول الحق: اما القرآن فانه لا يقول الا الحق ومع ذلك فانه يعلو ولا يعلى عليه. والقرآن ليس شعرا ولكنه أحلى من كل شعر حتى أنك تجد فيه السجع بوضوح أي التناسب في اواخر الآيات كأنها قوافي الشعر، ولكن سرعان ما تتغير القافية لئلا يشبه الشعر. ولذلك ارتبك الكفرة ماذا يسمونه هل هو شعر ام هو سحر؟
  2. مَن يدرك حلاوة القرآن: وحلاوة الفاظ القرآن وسبكه يدركه كل أحد حتى من لا يجيد العربية، واما بلاغة الآيات وفصاحتها ودقائق بيانها فمما لا يدركه الا اهل الفن، وما كان يدركه في العرب كما يدركه أمثال لبيد بن ربيعة وفي قريش امثال وليد بن مغيرة، ويُعلم الاعجاز من هذه الجهة بمراجعة اهل الفن وهو من رجوع الجاهل الى العالم، كما ان عامة الناس في عصر موسى عليه السلام ما كانوا يعلمون الفرق بين سحر السحرة وإلقاء العصا، ولكن السحرة كانوا علماء وتبين لهم بأظهر من الشمس ان ما قام به موسى عليه السلام ليس سحرا بل هو امر مرتبط بالسماء.

 

icon