الجلسة الثانية
[2]
رابعاً. الفائدة العملية للمعجزة: رغم أن المعجزة هي أفضل اثبات لنبوة كل نبيّ، ولكنها عملياً لم تتسبب في ایمان اکثر الناس، ماعدا القرآن الکریم:
- لم تكن المعجزة سبباً لإیمان غالبية الناس: غالباً ما نرى أن اکثر الناس المشاهدين لوقوع المعجزة لا يؤمنون بنبيهم، مثل غالبية مَن شاهدوا عدم احتراق النبيّ ابراهیم، او رأوا ناقة النبي صالح تشرب الماء الكافي لبلد بأكمله، او أن عصا موسی تنقلب الى ثعبان عظيم، او أن عصا موسى تأكل جميع حبال السحرة وعصيهم، او رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله يشق القمر. ولعل الدليل على عدم ايمانهم هو أن هدفهم من مطالبة الأنبياء بالمعجزة لم يكن قبول دعوة النبي والإیمان به، بل كانت محاولة لأن يهزموا نبيهم كيفما كان.
- ما هو سبب ايمان غالبية الناس: غالبية الناس کانوا بعيدين عن نبيهم بعداً مکانياً او زمانياً، فلم يكن باستطاعتهم رؤيته حتى يطالبوا بمشاهدة المعجزة منه، فالغالبية تؤمن إما بسبب التربیة الدینية او متاثرين بتبلیغ دیني يسوقهم نحو عقیدةٍ معينة، وإن لم يروا أي معجزةٍ طوال حياتهم.
- العقیدة توجب قبول المعجزة: كل مَن يعتقد بعقیدةٍ معينة يتقبّل كل ما يتعلق بعقيدته ومنها المعجزات المرويّة عن نبيهم، وحيث أن اکثر الأتباع لم يلتقوا بنبيهم الذي أتى بالدين وبالتالي لم يشاهدوا معجزاته أيضاً، فيمكننا القول بأن غالبية الناس يتقبلون المعجزة بناءً على قبولهم لتلك العقيدة، لا أن يتقبلوا العقیدة بناءً على قبول المعجزة.
- الهدف من المعجزة اثبات النبوة: عندما يعترض الکفار على اي نبيّ بأنه كيف يمكنهم العلم بأنه مرسلٌ من قبل الله، يلزم على النبي أن يردّ عليهم بالإتيان بعملٍ خارقٍ للعادة ليثبت به نبوته، فلو أن نبياً لم يؤدّ أن شيءٍ قبال كل مطالبات الناس بالمعجزة لشك به الجميع حتى أتباعه المؤمنين به، اي أن المعجزة تسدّ الطريق أمام منکری النبوة.
الإعجاز الأدبي للقرآن
اولاً. لماذا كان الإعجاز الأساسي للقرآن ادبياً:
- تناسب إعجاز الأنبیاء مع الزمن: انتشر السحر في زمن موسى عليه السلام وانتشرت الأمراض في زمن عيسى عليه السلام وكذلك الأدب في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولذلك كانت معجزات موسى تشبه السحر ومعجزات عيسى تشبه الطب، وكان القرآن درةً ادبيةً متلألئةً نادرة.
- روایة: نروي في هذا الصدد روایةً عن الإمام الرضا علیه السلام:
روى الصدوق قدس سره بسنده عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: لماذا بعث الله عز وجل موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر، وبعث عيسى عليه السلام بالطبّ، وبعث محمدا صلى الله عليه واله وسلم بالكلام والخطب.
فقال له أبوالحسن عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لمّا بعث موسى عليه السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله عز وجل بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله تبارك وتعالى بعث عيسى عليه السلام في وقت ظهرت فيه الزمانات[1] واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله عز وجل بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه واله وسلم في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام (وأظنه قال: والشعر) فأتاهم من كتاب الله عز وجل ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم.
فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثلك اليوم قط، فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال عليه السلام: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدّقه والكاذب على الله فيكذّبه، فقال ابن السكيت: هذا والله الجواب[2].
ثانياً. النضج التدریجي للإنسان طوال التاریخ: يتقدم الإنسان فكرياً مع مرور الزمن، وكمقياس لمعرفة التقدم الفکری للإنسان يمكننا أن نقبس مدى تقبل الشعوب لدعوة الأنبیاء.
- قوم نوح: بعد حوالي ألف سنة من الدعوة الى الله الواحد آمن بالنبيّ نوح علیه السلام نفرٌ قليل بحيث أمكنه أن يركبهم في زاويةٍ من زوايا سفينته، ولعل هذا العدد القليل كانوا جميعاً من أبناء نوح وأحفاده.
- قوم ابراهیم: لم يشر القرآن الى أن أحداً آمن بإبراهيم علیه السلام من بين القوم الذين ترعرع بينهم، إلا ما ذكرته الآية 26 من سورة العنكبوت بعد الإنباء عن الصدام بين ابراهیم وقومه الکافرين: ﴿فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾.
- قوم موسی: لا يتبين من القرآن عمّن آمن بموسی علیه السلام من غیر بني اسرائیل إلا سحرة فرعون وهم نفرٌ قليل مضافاً الى مؤمن آل فرعون، وأما ایمان معظم بني اسرائیل فإنما كان لأجل المصالح، وعلى كلٍّ لم يؤمن بموسى عددٌ يُعتنى به من الناس.
- قوم عیسی: تذكر آیة 49 من سورة آل عمران معجزات عیسی عليه السلام، ثم تضيف: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آَمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:52). هذه الآیات تشير الى أن مَن آمنوا بعیسی أيضاً كانوا قليلين، فلما سألهم عمّن سيصاحبه الى الله لم يجب إلا الحواریون الذين أعلنوا ايمانهم، وعددهم حسب الروايات إثنا عشر شخصاً.
- النضج الفکري للعرب قبيل الإسلام: كانت الأمة الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي آمن عددٌ كبيرٌ منهم بالنبيّ في أيام حياته ودعوته، والدلیل على ذلك هو النضج الفكري للإنسان، ويضاف اليه طبعاً القوة الهائلة للقرآن كسبب رئيسي لاستسلام الناس له، فالعرب وهم اول مَن واجه الإسلام تقبلوا دين الله فوراً، وإن لم يكن بإمكانهم قبول بعض الأمور، وأهم تلك الأمور قبول ولاية امیر المؤمنین علیه السلام باعتباره اماماً وقائداً بعد النبي صلی الله علیه وآله مباشرةً، فقبول مثل ذلك يحتاج إلى نضجٍ أكبر لم يكن متوفراً حين ظهور الإسلام، فتأجل الى زمن ظهور الإمام الحجة علیه السلام.
[1] الزمانة كما في الجمهرة (عدم وجود بعض الاعضاء او تعطيل قواه) ولعلها مأخوذة من الزمان باعتبار انه مرض مزمن.
[2] عيون اخبار الرضا عليه السلام ج2 ص86.
