الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (آل عمران: 191)

محاضرات ❯ اعجاز القرآن الكريم ❯ الجلسة الرابعة

الجلسة الرابعة

0:00 / --:--
icon
icon تحميل هذا الصوت

[4]

  1. محمد صلی الله عليه وآله: وهو النبي الوحيد الذي آمن به معظم الناس في زمن دعوته، فاستطاع أن يؤسس حكومةً قوية تحوّلت من بعده الى امبراطورية، رغم أن هذا النوع من فتح البلاد لم يكن دأباً للنبي، ويدل هذا على أمرين:

الأول- النضج الفکري للناس: حيث استطاعوا ببساطة أن يزيلوا الأصنام ويؤمنوا بإلهٍ لا يمكن رؤيته.

الثاني- قوة القرآن: والذي استطاع أن يرغم الأنوف الأبية للعرب صاغرين أمام عظمته.

ولكن الإیمان لم يكن قد وصل بعد الى ذروته المقصودة، فالعرب لم يقدروا أن يقبلوا امامة امیر المؤمنین علیه السلام والأئمة من بعده، بل ظلت هناك شوائب تشوب أصل التوحيد لديهم، فهناك أكثرية مسلمة تعتقد بإمكانية رؤية الله تعالى في المنام، إذ يظهر لبعض أوليائه في النوم على شكل بشر والعياذ بالله، وأن جميع المؤمنين سوف يرونه بأعينهم يوم القيامة حاشاه جل اسمه وتعالى ذكره. وهذا نوع من عبادة الأصنام في أخف أشكاله، ونحن على أمل أن ترتفع هذه الأوهام الباطلة عند ظهور الإمام الحجة علیه السلام، حيث يصل الإنسان في زمن الظهور الى قمة نضجه الفكري.

 

رابعاً. القوة الأدبية الهائلة للعرب قبل الإسلام:

  1. الأدب هو المیزة الوحيدة للعرب: قلنا أن الأدب كان الميزة الفكرية الوحيدة للعرب قبل الإسلام، فقد وصلوا فيه الى الذروة القصوى، فمضافاً الى الشعراء الفطاحل والخطباء البارزين، كان عامة الناس يعرفون الأدب ويتذوقونه، وإليك بعض ما يذكر عن قوة الأدب لدى العرب.
  2. الوصف في الشعر العربي: كنموذجٍ للقوة الأدبية للعرب، نرى أن الشعراء العرب أبدوا قوةً عظيمةً في وصف جمال الطبیعة والتعمق في كشف أسرار الخلق، فنجد مثلا طرفة بن العبد وهو يعدّ ثاني أكبر الشعراء لدى العرب يصف خلال ابیات عديدة من معلقته المطولة عجائب خلقة الإبل، وهذا يدل من جهة على دقته المتناهية في کشف خصائص الإبل، ومن جهةٍ ثانية يبيّن مقدرته العظيمة في وصف هذه الخصائص، ويزيد الكلام جمالا أنه على شكل شعرٍ موزون مقفى ويشتمل على انواعٍ من المحسنات البدیعية.
  3. المعلقات السبع او العشر: هي سبع قصائد او عشر من أطول ما أنشده العرب، فكل منها يربو على مائة بيت وتعدّ من أفضل قصائد العرب، إذ يقال أن من شدة اهتمام العرب بها أنهم كتبوها قبل الإسلام بالذهب المذاب وعلّقوها على أستار الکعبة، وتسمى بعض هذه القصائد (بالسموط) أي السوار الذهبي الذي تعلّقه المرأة على جيدها.
  4. الدعاية بواسطة الشعر: سوق عكاظ كان من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، حيث يجتمع فيه كبار الشخصيات العربية من اول شهر ذی القعدة الى العشرين منه. ومضافاً الى التجارة كان هذا السوق مرکزاً اعلامياً هاماٌ وکأنه وکالة أنباء، يجتمع فيه الشعراء فيقرأ كل منهم ما أنشده، ويتجمع الناس حول الشاعر ليستلهموا من جزالة شعره. ويستغل الشعراء هذا الموقف فيمدحون بقصائدهم عظماء العرب ليحصلوا على الصلة منهم، واستمر هذا الوضع قرونا متمادية بعد الإسلام أيضاً، لأن الشعر كان من أفضل طرق الدعاية لكبار الشخصيات، وهكذا أيضاً نجد شعراء الشیعة يمدحون اهل البیت علیهم السلام دون أي طمعٍ في صلةٍ او مال، حتى يقال أن أكثر الشعر في المديح يخص امیر المؤمنین علیه السلام.

 

خامساً. خضوع العرب امام الإعجاز الأدبي للقرآن: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ القرآن في المسجد، فمَن سمعه فإما أسلم او شهد بأنه ليس من كلام البشر، وهذا ما أقلق زعماء قريش وإن كانوا بأنفسهم معجبين بالقرآن بشدة، ولكن مصالحهم لم تسمح لهم أن يؤمنوا به، وإليك أمثلةٌ في هذا الصدد:

  1. إعجاب زعماء قريش بالقرآن: قصة استماع قريش إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم:

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض‏‏:‏‏ لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا.‏‏ حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا.‏‏ فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا‏‏.‏‏ حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض:‏‏ لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود‏‏:‏‏ فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا‏‏.‏‏ [السيرة النبوية لابن هشام، أول من جهر بالقرآن- الجزء رقم 1. وانظر تفسير الحافظ ابن كثير عند تفسير قولِه تعالى: “نّحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإِذْ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتّبعون إلَّا رَجُلاً مّسحورا” (الإسراء:47-48)].

 

  1. لبيد بن ربيعة: هو أحد أصحاب المعلقات، أبوعقيل لَبيد بن ربيعة العامِري من عامر بن صعصعة. (توفي41 هـ/661م)، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، أدرك الإسلام ووفد على النبي مسلما، ولذا يعد من الصحابة. وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً. استقر لبيد في الكوفة بعد إسلامه في سن 145 او 157 سنة، تسعون منها في الجاهلية وما تبقى في الإسلام. أرسل حاكم الكوفة يوماً في طلب لبيد وسأله أن يلقي بعضاً من شعره فقرأ لبيد (سورة البقرة) وقال عندما انتهى “منحني الله هذا عوض شعري بعد أن أصبحت مسلماً.”

 

icon