الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. (آل عمران: 191)

محاضرات ❯ اعجاز القرآن الكريم ❯ الجلسة التاسعة

الجلسة التاسعة

0:00 / --:--
icon
icon تحميل هذا الصوت

[9]

سادساً. المتهمون بمعارضة القرآن: بعد عصر الرسالة المجيدة، اتهم الناس بعض الأدباء والشعراء بالزندقة، وكان أقوى حججهم عليهم معارضة القرآن، وفي كل ذلك شكوك واضحة لا يرتاح العاقل بعدها لما قيل، ولعلها جميعاً او أغلبها كان بسبب حسد القوم على تفوّق هؤلاء، فمن أبرزهم:

  1. عبد الله بن المُقَفّع: (المتوفي 145 هـ)

من أدباء القرن الثاني الهجري، ومترجم كتاب “كليلة ودمنة”. رموه بالإلحاد وهو يصرّح بإسلامه في مقدمة ترجمته، وقد نسب إليه أنّه عارض القرآن بكتابه الدّرة اليتيمية، ولم يذكر التاريخ أنه ادعى ذلك.

  1. المتنبي، أحمد بن الحسين: (المتوفي 354 هـ)

من أبرز شعراء زمانه ولعله أبرزهم جميعاً، له ديوان كبير كثر شُرّاحه، ولد في أسرة مسلمة ولكنه اتهم بالتنبّؤ، ولم يرو التاريخ مما ادّعوا أنه أتى بوحي مزعوم إلا هذه الجمل: (والنجم السيّار، والفلك الدّوّار، والليل والنّهار، إنّ الكافر لفي أخطار، إمضِ على سُنَّتِك، واقْفُ أَثَرَ مَنْ قبلك من المرسلين، فإنّ الله قامعٌ بك زيغ من أَلْحَدَ في دينه وضلّ عن سبيله)[1]، ومثل هذا لا يثبت عليه شيئاً.

  1. أبو العلاء المعرّي: (المتوفي 449)

أحمد بن عبد الله من معرّة النعمان، أحد الأدباء الفحول، والشعراء البارزين، رماه البعض بالكفر أمثال ياقوت الحَمَوي، والذَّهبي، وسعد الدين التفتازاني، والخطيب البغدادي.

وإن أكثر من ينسب إلى أبي العلاء معارضته للقرآن، يستند إلى ما كَتَبَهُ ياقوت عنه، وياقوت هذا كان متحاملاً على أبي العلاء، ويكفي في ذلك قوله: (كان المعرّي حماراً لا يفقه شيئا)، وهذا كلام بذيء لا يُقال في أديبٍ أريب كأبي العلاء، وإن كان الرجل عدواً له.

وهناك من دافع عن ابي العلاء، منهم ابن عديم الحلّي، المتوفى عام 660 هـ، ألّف كتاباً باسم (الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجرّي عن أبي العلاء المعرّي). فأثبت اسلامه وأضاف: (إنّ سائر ما في ديوانه من الأشعار الموهمة، فهي إمّا مكذوبة عليه أو هي مؤولة)[2].

وقد نسبوا إليه أنّه عارض القرآن بكتاب أسماه: (الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات)، ويمكن رد كل تلك الاتهامات بما نقل عنه في كتابه (الغُفْران)، قال رداً على ابن الراوندي: (وأَجْمَعَ مُلْحِدٌ ومهتدي، وناكب عن المحجة ومُقتدي، أنّ هذا الكتاب الّذي جاء به محمد كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدوه بالأرجاز، ما هذا على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سهل وحزون، ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة ذوي الإرب… وإنّ الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألي في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق، فتبارك الله أحسن الخالقين)[3].

 

سابعاً. المعارضة السليمة للتحدي:

  1. كيف تعارض التحدي: إذا أردت أن ترد على تحدي مَن يعارضك فأت بكلامٍ أقوى منه في تركيب الألفاظ وتناسق المعاني، لا أن تأتي بكلام الخصم وتغيّر فيه بعض الألفاظ وتحاول أن يكون كلامك مسجّعاً ولا تبال بالمعنى فتأتي بكلامٍ تافهٍ ثم تدّعي أنك عارضت المتحدي وخصمته، كما هوالحال في مسيلمة وأمثاله.

 

  1. مثالان:

(المثال الأول) يمدح جريرٌ بني تميم بقوله:

إذا غَضِبَتْ عليك بنو تميم         حسبت الناسَ كلُّهم غِضاباً

وعندما يُسأل المعري عن الشريف المرتضى يقول:

يا سائلي عنه لما جئت تطلبه     ألا هو الرجل العاري من العار

إن جئته لرأيت الناس في رجلٍ   والدهر في ساعةٍ والأرض في دار

فلو رأى جرير أن قبيلة بني تميم تعادل كل الناس فإن المعرّي يرى رجلاً واحداً يعادل الناس كلهم، ولا يكتفي بذلك بل يرى الدهر كله في الساعة يواجه بها هذا الرجل، والأرض في تلك الدار التي يسكنها، فكان كلام المعرّي أبلغ من كلام جرير كثيراً.

(المثال الثاني) عندما يهاجم الفرزدق جرير مفتخراً ببيته ومعيّراً إياه بأنه ليس له مثلهم، يقول:

إن الذي سمك السماء بنى لنا      بيتاً دعائمه أعز وأطولُ

بيتاً بناه لنا المليك وما بنى        حكم السماء فإنه لا ينقل

يا ابن المراغة أين خالك إنني    خالي حبيشٌ ذو الفعال الأفضلُ

فيقتبس جرير منه المصراع الأول لا لضعفٍ منه في أن يأتي بمثله بل ليضربه من حيث ضربه، ولا يغيّر الوزن ولا القافية ليُفهمه أنه قادرٌ على كل الأوزان والقوافي، ولكنه يكسر القافية المرفوعة حتى لا يُقال أنه يتبعه، فيقول:

كان الفرزدق إذ يعوذ بخاله       مثل الذليل يعوذ تحت القرملِ

إن الذي سمك السماء بنى لنا      عزاً علاك فما له من منقلِ

وقضت لنا مضرٌ عليك بفضلنا   وقضت ربيعة بالقضاء الفيصلِ

فيتناسى أنه ليس له خال مثل خال الفرزدق، ويشبّه خاله بنباتٍ قصير الساق لا يمكن اللجوء اليه ليمنع الحر او المطر، ويتناسى أيضا أن أباه وجده ليسا كأبي الفرزدق وجده مفتخراً بأن مضر وربيعة يتباهون به دون الفرزدق، هكذا المعارضة الأدبية البليغة.

 

  1. ما فعله مسيلمة:

اخذ مسيلمة الآيات القرآنية: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَة﴾ (القارعة:1-3)، فبدّل كلمة القارعة بالفيل، ظناً منه أنه قد أتى بشيء يضاهي به القرآن، ثم لم يدرك أن مثل هذه المقدمة إنما يأتي بها القرآن ليبين هول المقام والخطر العظيم يوم القيامة، فأكمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة:4-5).

اما مسيلمة المسكين فبعد التبديل الذي عمله ليأتي بهذه الجملة المضحكة: (الفيل، ما الفيل وما أدراك ما الفيل)، لم يجد للفيل ما يمدحه به وهو لا يدري لماذا بدّل القارعة بالفيل وما الداعي الى توصيفه، فلعله اغتر بضخامة جسمه فأضاف” (له ذنب وبيل، وخرطوم طويل).

 

  1. محاولة فاشلة: بعد القرن الهجري الأول، اختلط العرب بسائر الأمم نتيجة الفتوح، فضعفت تلك الحالة السائدة في الجاهلية وبداية الإسلام حيث كانوا ينبهرون بالقرآن انبهاراً يمنعهم من التفكير بمعارضته، ولكن استمر الأدب قوياً صلباً بشعره ووخطبه ورسائله وتواقيعه وسائر اشكاله، فكان الأدباء المعارضون للإسلام يتشجعون احيانا لمعارضته ظناً منهم أنه أمر ممكن، ثم يصابون بخيبة الأمل، أنظر الى الخبر التالي:

روى هشام، أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: اجتمع في بيت الله الحرام أربعة من مشاهير الدهرية وأعاظم الأدباء وكبار الزنادقة، وهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وأبو شاكر ميمون بن ديصان وعبد الله بن المقفع وعبد الملك البصري، فخاضوا في الحج ونبي الإسلام وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوة أهل الدين، ثم استقرت آراؤهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره، فتعهد كل واحد منهم أن ينقض ربعاً من القرآن إلى السنة الآتية… ولما اجتمعوا في الحج القابل وتساءلوا عما فعلوا اعتذر ابن أبي العوجاء قائلاً انه أدهشته آية: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا)[4]، فأشغلته بلاغتها وحجتها البالغة.

واعتذر الثاني قائلاً انه أدهشته آية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[5]، فأشغلته عن عمله.

وقال ثالثهم أدهشتني آية نوح: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[6]، فأشغلتني الفكرة عن غيرها.

قال رابعهم أدهشتني آية يوسف: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا)[7]، فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكير في غيرها.

قال هشام وإذا بأبي عبد الله الصادق يمر عليهم ويومئ إليهم قائلاً: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)[8]،…انتهى[9].

 

بيان للآيات الأربع:

الآية الأولى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا. (سورة الأنبياء: الآية 22).

من تفسير الميزان:

  1. الخالق واحد: النزاع بين الوثنيين والموحدين ليس في وحدة الاله وكثرته بمعنى الواجب الوجود، الموجود لذاته، الموجد لغيره، فهذا مما لا نزاع في أنه واحد لا شريك له.
  2. النزاع في المعبود: إنما النزاع في الاله بمعنى الرب المعبود، والوثنيون يرون أن تدبير العالم على طبقات أجزائه مفوضة إلى موجودات شريفة مقربين عند الله ينبغى أن يعبدوا حتى يشفعوا لعبادهم عند الله ويقربوهم إليه زلفى، كرب السماء ورب الارض ورب الانسان وهكذا، وهم آلهة من دونه، والله سبحانه إله الالهة وخالق الكل، كما يحكيه عنهم قوله: “ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله” الزخرف: 87.
  3. الألوهية فيهما لا السكنى: والمراد بكون الاله في السماء والارض تعلق ألوهيته بالسماء والارض لا سكناه فيهما فهو كقوله تعالى: “هو الذي في السماء إله وفي الارض إله” الزخرف: 84.
  4. تقرير حجة الآية: انه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا متبائنين حقيقة وتباين حقائقهم يقضى بتباين تدبيرهم فيتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والارض لكن النظام الجاري نظام واحد متلائم الاجزاء في غاياتها فليس للعالم آلهة فوق الواحد وهو المطلوب.
  5. وفي كتاب التوحيد للصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما الدليل على أن الله واحد؟ قال: اتصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عزوجل: “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا”.

 

[1] إعجاز القرآن، رافعي، ص 208.

[2] تاريخ حلب، ج 4، ص 77-180.

[3] رسالة الغُفْران، ص 263.

[4] سورة الأنبياء: الآية 22.

[5] سورة الحج: الآية 73.

[6] سورة هود: الآية 44.

[7] سورة يوسف: الآية 80.

[8] سورة الإسراء: الآية 88.

[9] المعجزة الخالدة لهبة الدين الشهرستاني.

icon